شرح
أحدهما - وهو عليه المعظم - : العدم ، لأن القبض شرط في صحة الهبة ، وما في
الذمة يمتنع قبضه ، لأنه ماهية كلية لا وجود لها في الخارج ، والجزئيات التي يتحقق
الحق في ضمنها ليس هي الماهية ، بل بعض أفرادها ، وأفرادها غيرها .
والثاني : الصحة ، ذهب إليه الشيخ ( 1 ) وابن إدريس ( 2 ) والعلامة في
المختلف ( 3 ) ، لأنه يصح بيعه والمعاوضة عليه فصحت هبته للغير . واشتراطها بالقبض
لا ينافيه لتحققه بقبض أحد جزئياتها ، بأن يقبضه المالك ثم يقبضه أو يوكله في القبض
عنه ثم يقبض من نفسه ، لا بأن يجعل قبضه عن الهبة قبضا عن المالك لئلا يلزم
الدور . وهذا الكلي يرجع إلى الكلي الطبيعي ، لأن المراد من الدين الذي في الذمة -
كمائة درهم مثلا - معروض مفهوم الكلي النوعي ككلية الانسان بالنسبة إلى مفهوم
النوع ، والكلي الطبيعي موجود في الخارج بعين وجود أفراده . ولأنه لولا وجوده والقدرة
على تسليمه لما صح بيعه والمعاوضة عليه ، لأن البيع مشروط بالقدرة على تسليم المبيع
اجماعا في غير الآبق ، بل يشترط وجوده مطلقا ، والماهية لا وجود لها على ما ذكروه .
وما قيل في الفرق بين البيع والهبة بأن القدرة على تسليمه يكفي فيها ما به
يتحقق المعاوضة ، وتحققها يكفي فيه القدرة على تسليم بعض أفراد الماهية المعدود
أحد العوضين ، ويدخل في ملك المشتري من غير توقف على قبض ، ثم يستحق
المطالبة بالاقباض ، بخلاف الهبة ، فإن الاقباض له دخل في حصول الملك ، فلا بد
أن يقبض الواهب الدين ثم يقبضه المتهب ، فامتنع نقله إلى ملك المتهب حين هو
دين ، وكذا بعد تعيين المديون له قبل قبض الواهب ، لانتفاء الملك ، وبقبض الواهب
يحدث الملك له فيمتنع تقديم انشاء الهبة عليه ، إذ تكون جارية مجرى ما سيملكه
ببيع وغيره ، وذلك غير جائز .
هامش
( 1 ) المبسوط 3 : 314 ، الخلاف 3 : 572 مسألة ( 20 ) .
( 2 ) السرائر 3 : 176 .
( 3 ) المختلف 2 : 487 .