شرح
جهة المهدي كالايجاب والقبض من جهة المهدى إليه كالقبول ، لأن الهدايا كانت
تحمل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله من كسرى وقيصر وسائر الملوك
فيقبلها ، ولا لفظ هناك ، واستمر الحال من عهده صلى الله عليه وآله إلى هذا
الوقت في سائر الأصقاع ، ولهذا كانوا يبعثون على أيدي الصبيان الذين لا يعتد
بعبارتهم .
قال : " ومنهم من اعتبرهما كما في الهبة ، واعتذروا عما تقدم بأن ذلك كان إباحة
لا تمليكا . وأجيب بأنه لو كان كذلك لما تصرفوا فيه تصرف الملاك ، ومعلوم أن النبي
صلى الله عليه وآله كان يتصرف فيه ويملكه غيره ، ويمكن الاكتفاء في هدايا
الأطعمة بالارسال والأخذ جريا على العادة بين الناس " .
قال : " والتحقيق مساواة غير الأطعمة لها ، فإن الهدية قد تكون غير طعام ،
فإنه قد اشتهر هدايا الثياب والدواب من الملوك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم ، فإن مارية القبطية أم ولده كانت من الهدايا " .
وهذا الذي ذكره من التحقيق يشعر بما نقلناه عنه من الاكتفاء بذلك ، وهو
حسن . ومع ذلك يمكن أن يجعل ذلك كالمعاطاة يفيد الملك المتزلزل ، ويبيح
التصرف والوطي ، ولكن يجوز فيها الرجوع فيها قبله ، عملا بالقواعد المختلفة ، وهي
أصالة عدم اللزوم ، مع عدم تحقق عقد يجب الوفاء به ، وثبوت جواز التصرف فيها ،
بل وقوعه ووقوع ما ينافي الإباحة ، وهو الوطئ وإعطاؤه الغير ، فقد وقع ذلك للنبي
صلى الله عليه وآله وسلم في مارية أم ولده ( 1 ) ، وقد كان يهدى إليه الشئ فيهديه
لزوجاته وغيرهم ( 2 ) ، وأهدي إليه حلة فأهداها لعلي عليه السلام ( 3 ) من غير أن ينقل
هامش
( 1 ) الطبقات الكبرى 1 : 134
( 2 ) الطبقات الكبرى 8 : 188 - 189 ، المستدرك للحاكم 3 : 218 .
( 3 ) راجع سعد السعود : 90 ، والبحار 43 : 76 .