كذلك فالمكان يبدو غامضا في القصّة « بالجهد نستطيع أن نستنتج أنّها تدور في دمشق بسبب ذكر بعض المعالم الدمشقيّة ، وذلك بعد التوغّل في القصّة » وغموض المكان أمر عامّ في سائر قصصها ؛ ولعلّ الفضيلة تنتصر هي الأكثر توضيحا للمكان والبيئة .
غير أنّ هذا لا يمكن أن يلغي واقعيّة الوصف وعنصر التشويق في قصّة الفضيلة تنتصر خاصّة ، وكأنّ بنت الهدى اعتذرت في بداية قصّتها ص 7 عن أنّ « هذه ليست قصّة ، فلست قصّاصة ولا كاتبة للقصّة ، بل إنّي لم أحاول قبل الآن أن أكتب قصّة إلّا أنّ هذا الذي اقدّمه اليوم إليك لا يعدو أن يكون صورة من صور المجتمع » وإنّ ما قامت به « لا يعدو عن كونه محاولة بنّاءة لفتح الطريق وتعبيده » كأنّها حين فعلت ذلك إنّما كانت تستهدف إثبات العكس ، أو إنّها كانت تمهّد للإقلال من العناية بالجانب الفنّي في قصصها التالية بعد أن أثبتت جدارتها في القصّة الأولى .
هذا لا يعني غياب الفنّ من القصص التالية ، وإلّا لما كنّا سمحنا لأنفسنا بتسميتها قصصا ، وإنّما نعني بذلك غلبة الطابع الفكري عليها بشكل أكبر ، وكأنّ الشهيدة - رحمها اللّه - في حماسها للدفاع عن الإسلام ، وفي خضم مشاغلها الاجتماعيّة لم تجد مبرّرا لقضاء وقت طويل في إبراز رتوشات الصراع وهوامشه ، وهي التي قالت منذ البداية أنّ غايتها الواقعيّة هي : « إبراز جوهر الصراع لا رتوشاته وهوامشه » . الفضيلة تنتصر ص 7 .
ولذلك وأمام الطابع التجريدي للأفكار المعروضة في هذه القصص « ضرورة الدين ، وجود الخالق » نشهد لجوءا إلى حوار فكري يذكّرنا بالمحاورات الفلسفيّة ، سوى أنّه من طرف واحد ؛ لأنّه يدور بين معلّم ومتعلّم لا بين مفكّرين .
كما تشهد تركيزا على الرسائل المتبادلة التي تعطي مجالا أكبر للإعداد ، وتنميق الكلمات والأفكار وتركيزها وإتاحة الفرص للعمق الفكري ، والأسلوب الشاعري لكي يبرز كلّ بحسب السياق ، وتصبح الحبكة البسيطة مجرّد إطار يحثّنا على متابعة الحوار الفكري ، وتصبح الأحاديث الأخرى غير الفكريّة ، وتطوّر العواطف
موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين — صفحة 511
مساهمون: السيد عبد الحسين شرف الدين
ص٥١١