كلّ ذلك ومدير الأمن - أبو سعد - لا يستطيع أن يلفظ كلمة ردّ واحدة إلّا اصطناع ابتسامة صفراء تدلّ على صغرهم وسقوطهم ، بل وتعجّب وهو يسمع إلى كلمات الحقّ تصدح من بنت الهدى ، والذي أحسّ بحقارته وصغره ومدى تهوّره وأسياده في القضاء على كرامته وعلى العلم والعلماء وهتك حرمتهم ، بعد ذلك اصطحب الإمام الشهيد إلى خارج الدار ، وقد خرجت معه شهيدتنا المجاهدة ، وكذا زوجته ، فالتفت مدير الأمن إليها وقال : ارجعي نحن نريد أبا جعفر فقط .
ووقف السيّد الشهيد وقال لأخته الطاهرة : ارجعي يا أختاه ، فأجابته : لا أريد أن أعود يا أخي ، أريد أن أرافقك كما رافقت زينب عليهاالسلام أخاها الحسين عليه السلام .
وما أن ساروا في الزقاق الذي تقع فيه دار السيّد رحمه الله ، والهدوء والظلام يطبق على الجميع ، والخوف والحذر واجم على وجوه زبانيّة السلطة العميلة حتّى وصلوا السيّارة التي تنتظرهم في الشارع ، وكانت شهيدتنا ترافق أخاها ، إلى أن أشار إليها السيّد الشهيد بالعودة فتنحّت جانبا حتّى إذا ركب الإمام سيّارة السلطة الغاشمة ، وانطلقت سيّارات الأمن ، ثارت ثورتها ورجعت بها الأفكار ، حيث مواقف زينب بنت عليّ عليه السلام ، وصاحت في الشارع مكبّرة ثلاث مرّات : « اللّه أكبر » ، وهي تصرخ في وجوه بقايا الأمن الذين لم يذهبوا في السيّارات قائلة لهم : أما راجعتم أنفسكم ؟ متى تستيقظ ضمائركم ؟ لماذا هذا الذلّ الذي تعيشون ؟ أفيقوا من سباتكم ! ! كفاكم استجابة للطواغيت والكفرة ! !
واستمرّت بخطبتها وحديثها المشرق مع هؤلاء الشرذمة الذين استحوذ عليهم الشيطان ، وسلبهم عقولهم ، وعرّفتهم أنفسهم وفعالهم ، ولكن لم يحرّكوا ساكنا .
رجعت إلى الدار وهي تشعر وكأنّها لن تؤدّي كامل مسؤوليّتها ، فخرجت ثانية حيث وصلت السوق في طريقها إلى الحرم العلوي الشريف ، صاحت بكلّ صلابة :
اللّه أكبر . اللّه أكبر . اللّه أكبر .
أين أنتم يا أهل النجف ؟ انهضوا ، أفيقوا يا رجال عليّ ، انهضوا أيّها الغيارى يا أبناء عليّ ، يا أبناء الإسلام ، لقد أخذ مرجعكم ، لقد أخذ السيّد الصدر .
موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين — صفحة 495
مساهمون: السيد عبد الحسين شرف الدين
ص٤٩٥