تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين — صفحة 347

مساهمون:

ص٣٤٧
فدرس المقدّمات معتمدا أكثرها على نفسه . ودرس سطوح الفقه والأصول على أخيه الحجّة السيّد إسماعيل قدس سره ، وقد ذكر عن أخيه
هامش
آية اللّه والده المتدفّقة تحقيقا ودقّة وتصديقا ، حتّى إذا اختار [ اللّه ] له دار المقام ومرافقة الأبرار ، استقبل هو البحث والتدريس بمختلف أنواعه ، وتفرّغ للإفادة تدريسا ومذاكرة ، ولقد تلمّذ عليه عدد غير قليل من أفاضل العرب والعجم ، فألمسهم الحقائق وانتجع لهم الفضيلة من أقرب طرقها ، بقوّة برهانه وعذوبة بيانه ، وما عرفه أحد ثمّ بارحه إلّا ونفسه مفعمة به إكبارا وإعظاما وإعجابا بفضله الجمّ ، وأخلاقه الكريمة ، وورعه وتقواه . أخلاقه وورعه : لقد كان رحمه الله آية بليغة في الأخلاق الفاضلة ، والصفات الكريمة ، تلقاه وهو بتلك المكانة العلميّة السامية ، وبذلك الرداء الجميل من الشرف والمجد ، طلق المحيّا ، باسم الثغر ، رقيق الحواشي ، نديّ الحديث ، طريّ الأسلوب ، ليّن العريكة ، يتواضع للصغير حتّى كأنّه بعض سمرائه ، ويتصاغر حتّى كأنّه دون نظرائه ، ولكمال آدابه ومحاسن أخلاقه يري طرفه في المذاكرات العلميّة - الذي هو يفهمه ويشعره بضالّته المنشودة - أنّه يفهم منه الحقيقة ، ويستعين به على الوصول إليها . ذلك الخلق الكريم لا يتذوّقه ولا يتعرّفه إلّا الأولياء الذين راضوا أنفسهم رياضة ذلّلت لها كلّ صعب ، وشاؤوا بها عن عالم المزاعم والخيال ، إلى عالم العقل والمثال ، إلى ما هنالك من أخلاق كريمة ، وصفات محمودة موروثة له لا عن كلالة وحّدته وأقامته مكانا عليّا في نفوس محبّيه وشانئيه . وأمّا تقواه وورعه فأمران نشآمعه ، واصطحباه منذ نعومة أظفاره ، ولازماه ملازمة الأمر الذاتي . ويتعرّف منه الجليس لأوّل نظرة يتوجّه بها إليه ويتحسّس بها قلبه بنزوله منه منزلة الهيبة والإكبار ، وذلك وسام شرف وعزّة اختصّ به اللّه عباده المخلصين الذين أفرغوا نفوسهم ، وشخصوا بأبصار أفئدتهم إليه خاشعين ، فجزاهم لذلك أن جعل أفئدة الناس تهوي إليهم ، وتستشعر لهم الهيبة في نفوسهم ، وما التقوى والورع إلا ملكات نفسيّة تبعث في الجوارح الخشوع والاستكانة لباريها ، وترسل فيها النشاط في طلب مراضيه ، والفوز بالقرب منه ، ولذلك مناح شتّى ، يلتقيان في الغاية ، والمرء ميسّر لما خلق له . وفاته : في ليلة الخميس 21 جمادى الأولى سنة 1356 ، في الكاظميّة اختار اللّه له دار آبائه ومنازل أحبّائه ، فلبّى داعيه طاهر الأردان ، نقيّ الذيل ، مجاهدا في سبيل العلم ، شهيدا بسهام أخطاء بعض الأطبّاء الذين لا يرقبون في النفوس البريئة والقلوب الزكيّة إلّا ولا ذمّة . وما إن أصبح الصباح حتّى ماجت الكاظميّة بأهلها ، وسالت العيون دموعا ، وتطايرت القلوب حسرات ، وصرخت نياحا باذن الخافقين زمازم ، فلا ترى إلّا صارخا ولادما .