تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
ثمّ ابتدأ بالدرس والتحصيل ، وظهرت عليه مخايل النجابة والفطنة من أوّل نشأته ،
هامش
بها الآفاق نارا ، والنفوس عداوات وشحناء ، وتحزّبات ذات اليمين وذات الشمال ، فكانت هي نقطة التفكير واللهجة العامّة في الحديث ، وهو رحمه الله في معزل عن ذلك . وكان ينفّس بالثانية من أوقاته أن يصرفها في ما لا يعنيه ، وإنّما هو منغمس في الجدّ والاجتهاد والتفكير في المسائل العلميّة حلّا وعقدا ، ونقضا وإبراما ، ولا يجلس مجلسا إلّا ويستميله إليه حديثا مهما كان ولعا بغيرها . ثروته العلميّة وشخصيّته الأدبيّة : يعجز القلم مهما كان قديرا ماهرا في فنّ التصوير أن يجيء بصورة تمثّل تلك الشخصيّة الكبيرة ، وتلك الثروة العلميّة الخصبة ، تراه حيث يندفع في تحرير مسألة فقهيّة أو حلّ مشكلة اصوليّة مصباحا يتوقّد بيّنات وبراهين ، وينابيع تتدفّق آيات محكمة وحججا نيّرة ، وإنّه مع تخلّيه للبحث في العلوم الفقهيّة والاصوليّة ، يتحلّى بذوق عال في الآداب ، يقرّب إليه البعيد ، ويخوّله الرأي السديد ، وفكر دقيق في المسائل الحكميّة والمطالب العقليّة ، ولا يتّفق ذلك مجتمعا مع حفظ التوازن إلّا للأوحد الذي يحمل لكلّ علم وفنّ من هذه الفنون نفسا خاصّة وقلبا ألمعيّا يتناسب وإيّاه . فهو في الفقه بذوق رشيق وسليقة معتدلة تصله بالعرف العامّ في تفهّمه لحن الخطاب ، وتعرّفه النكت الخفيّة في السؤال والجواب ، وفي المعقول بفكر دقيق متغلغل في البحث ، يشقّ شقّا متّكلا على نفسه ، ولا يقتفي به أثر شخص أيّا كان ، ولا يصغي لظاهر كلام ، أو مدلول لفظ ، أو لحن خطاب ، كلّا ولا يأنس بألحان الخيال الجبّار ، وسحر المنطق الدقيق ، وليس بالسهل على النفس أن تنطبع في كلّ حال بما يناسبها . ولقد كان السيّد المترجم رضىالله‌عنه جامعا ذلك الجمع وهو في كلّ فنّ ينفصل عن نفسه ، ويتجرّد عن ذاته في الفنّ الآخر ، حتّى كأنّه ليس من ورده ولا صدره ، غير أنّ الأيّام الجائرة ضنّت به على الهيئة العلميّة ، فقاطعته السير قبل الوصول ، وضيّقت الخناق على قلمه ، فكانت منتوجاته قليلة ، وإن كان قليله لا يقال له قليل . مؤلّفاته القيّمة : لقد ظهر من رشحات قلمه العلمي حاشية على الكفاية ، رسالة في المعاني الحرفيّة ، رسالة تبعّض الأحكام لتبعّض الأسباب ، رسالة في الوضع وأقسامه ، رسائل أخرى فقهيّة ممتعة ، كان ينوي أن ينتهي بها إلى دورة كاملة ، فحال القضاء دون ذلك . مشايخه : لا شكّ أنّه كان يتحرّى له ويتحرّى هو لنفسه أعلام الفضيلة وأفذاذ العلم والكمال من المدرّسين ، فيختارهم له أساتذة . ولقد حضر السطوح على العلّامة المفضال السيّد حسين الفشاركي ، وتلمّذ في البحوث الخارجيّة في كربلاء على العلّامة الكبير ، واحد عصره ، وفريد دهره ، آية اللّه الشيخ عبد الكريم اليزدي أيّام إقامته في كربلاء . وإنّه في خلال ذلك يلتمس الحقائق الراهنة ، ويحتسي المعارف الشذيّة كؤوسا دهاقا ، واردا وصادرا عن موارد