وحرم من عطفه وكنفه ، ولكنّ اللّه سبحانه حباه بعطف امّ برّة تقيّة شريفة ، هي بنت حجّة الإسلام الشيخ عبد الحسين آل ياسين قدس سره ، فحدبت عليه بعطفها ورعايتها ، فأرضعته لبان التقوى ومكارم الأخلاق ، وربّته على الخير والإيمان .
هامش
ولقد كانت الأبصار طامحة إليه من ذي قبل ، لتفوّقه وسبقه سبقا بعيدا في مواهبه السنيّة ، ومنتوجات أفكاره الثاقبة ، وروائع تنبيهاته الرشيقة ، في علمه الجمّ ، وتبحّره الفذّ ، وعواطفه الشريفة ، وأخلاقه العالية ، في زهده وورعه ، حتّى لقد كان ينفر من الناس ، وهم ينثالون عليه في المرجعيّة والتقليد ، ويفرّ من بين يديهم فرار الزئبق من اليد ، فينثره يمنة ويسرة ، زهدا بهذه الحياة ، وخلودا إلى الوحدة ، ورغبة في الانزواء والانقطاع للعبادة والتدريس شأن أولياء اللّه المخلصين ، وإنّ أكرم موهبة اصطفاها اللّه له أن خصّه بأنجال كرام ، آيات علم ، ومصابيح هدى ، وأعلام فضل ، تزدان بهم الصدور ، وتشرق بأنوارهم النوادي ، يمثل بعضهم بعضا خلقا وخلقا وسمتا وهديا ، كلاما تقرأه دائرة معارف ، ونهج بلاغة ، وقلم حكمة وفلسفة وتحقيقا ، وإنّ منهم المرحوم الحجّة المترجم .
مولده ومنشأه : ولد في سرّ من رأى ، دار هجرة أبيه قدس سره سنة 1309 ، وإنّ ملامح النبوغ والذكاء تتجلّى في أسارير وجهه ، وأنوار الفطنة والنباهة تتدفّق من جوانبه ، وهناك في تلك التربة الزاهرة ، والجوّ الصافي ، والهواء الطلق ، نشأ منشأ كريما يتناسب ومواهبه الفطريّة ، حتّى إذا بلغ الخامسة من عمره ، هاجر به والده الكريم إلى الكاظميّة ، فكربلاء المشرّفة ، وعني بتربيته تربية علميّة صالحة منتجة ، يتعهّده في كلّ أحايينه ، فيحسن له الرقابة ، وينعم له النظر والرعاية ، ويغذّيه التغذية الصحيحة ، إلى أن نما ريّان النفس بالأخلاق العذبة ، مفعم القلب بالملكات الشريفة .
وإنّ من كانت له تلك المواهب الشذيّة ، والاستعدادات الفطريّة ، والمميّزات القيّمة ، ثمّ أتيح له مدرسة خصبة تحضنه ، ومعلّم حكيم يرعاه بطرف ساهر ، ويتعهّده بالأغذية الملائمة لمواهبه الفذّة إلى أن نشأ واشتدّ ساعده ، لحري أن لا يدع لحسن الثناء ، وكريم الحمد ، والعبقريّة اللامعة ، والنبوغ المتفوّق ، أحدا أولى بها منه .
وكذلك كان رضىاللهعنه فلم ينته العقد الثاني من عمره حتّى نبغ وتفرّد وأرهف فكره المتوقّد لتذليل صعاب المعالي ، ونصب نفسه الطموحة لاقتناص شوارد المجد ، وتسابقت إليه الإشارات بالتفوّق والتفرّد بالفضل والفضيلة ، وانعقدت عليه خناصر الآمال للمستقبل ، وشخصت أنظار الرجاء الصادق لأن يكون علمه المفرد ومرجعه الوحيد .
ولقد كان من مميّزاته الوحيدة أنّه منذ استقبل بالرغبة والنشاط طلب العلوم ، وانبعث لا يلوي على شيء شوقا إلى مناهله العذبة إلى أن أصبح علما من الأعلام ، ما وهن عزمه ولا فترت همّته عن الجدّ فيه طلبا وتفكيرا ومذاكرة وتدريسا ، ولقد اتّفق في عصره حوادث تذهل المرء عن نفسه ، وانقلابات فجائيّة هائلة مترامية الأطراف ، تلتهب