ولازم حلقات دروسهم في الفقه والأصول ، والحكمة والكلام ، والتفسير والحديث ، وغيرها حتّى سطع نجمه في الأوساط العلميّة ، ورمق بعين الإعجاب والتقدير من قبل مشايخه الأجلّاء ، وغيرهم من الأعلام .
وفي سنة 1322 عاد إلى جبل عامل مزوّدا بإجازات الاجتهاد ، واستقبله أهل بلاده والتفّوا حوله ، فكان إمامهم المقدّم ، ومرجعهم الجليل ، وكان لصفاته الإنسانيّة من خلقه الرفيع وتواضعه الجمّ ، ورحابة صدره ، وعطفه وشفقته ، وما هنالك من أصول الملكات ، وجميل السجايا ما يحبّبه لعارفيه ، ويرفعه في نظر جلّاسه وزوّاره ، ويحلّه المكانة اللائقة به في نفوس الناس .
ولم يقصر جهده على العمل في نشر الأحكام ، وهداية الأنام ، بل كان قائدا موجّها ، ومصلحا اجتماعيّا ، وزعيما وطنيّا ، وكان يو إلي بذل الجهد من أجل خدمة مجتمعه ، وإصلاح شؤونه ، وقد ضحّى في هذا المجال بكلّ غال نفيس ، كما خاض ميدان النضال ضدّ الحكّام الأجانب في عهدي الأتراك والاحتلال ، وعرّض نفسه وأهله للمخاطر ، حتّى صدر الحكم باغتياله ، وهوجمت داره ، وأحرقت مكتبته ، واتلفت فيها مؤلّفاته المخطوطة ، وهكذا عمل في مختلف الميادين الإصلاحيّة ، والحركات السياسيّة والوطنيّة ، وكان في جميع ذلك من قادة الفكر ، وزعماء الرأي ، كما يشهد به تأريخ جبل عامل الحديث .
وكان من أكبر دعاة الوحدة الإسلاميّة ، والتقريب بين المذاهب ، وقد دعا إلى توحيد الصفّ وجمع الكلمة ، وجنّد لذلك كلّ قابليّاته وامكانيّاته ، وكان أوّل تآليفه في هذا الموضوع كتابه الجليل الفصول المهمّة في تأليف الامّة ، وقد فرغ من تأليفه في سنة 1327 ، وهو من ذلك التأريخ حتّى آخر أيّامه كان يولي هذا الموصوع أكثر اهتمامه ، ويسعى له سعيا حثيثا ، وفي سنة 1329 هبط مصر ، فاجتمع بعلمائها الأعلام ، وعلى رأسهم العلّامة المنصف الشيخ سليم البشري رحمه الله ، شيخ الأزهر الشريف يومئذ ، وعقدت بينهما اجتماعات متو الية ، بحثا فيها امّهات المسائل الخلافيّة في الكلام والأصول ، واتّفقا على أن يضعا اللبنة الأولى لبناء الوحدة
موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين — صفحة 290
مساهمون: السيد عبد الحسين شرف الدين
ص٢٩٠