منذ نشأته أثيرا لديه ، يغذّيه شأن إخوته بلبان التقوى والإيمان ، وقد أضاف إلى غذائه الروحي من جديد لبان العلم والمعرفة ، من نحو وصرف وسطوح الفقه والأصول ، وإلى جنب ذلك لقّنه الدروس التطبيقيّة ، فشحنه بثروة فكريّة وعلميّة ، وذلك بأن استكتبه المواضيع المهمّة التي تدور عليها كتاباته ومؤلّفاته على مدى عدّة سنين . كان يملي عليه الموضوع حتّى إذا انتهى منه أمره بقراءته ، وجعل يعيد فيه ويبدئ ، ويمحو ويكتب ، يصحّح وينقّح ، مرّة ومرّة ، حتّى إذا استوى لديه الأسلوب والمعنى ورضي عنه عاد يمليه عليه مرّة أخيرة .
وقد أصاب بذلك السيّد عبداللّه حظّا عظيما وفائدة كبرى ؛ إذ اختزن ما عند والده من التأريخ الإسلامي ، ومواضيع الخلافة والإمامة ، وتأويل متشابه القرآن والسنّة النبويّة والحديث الشريف ، وبكلمة موجزة : كانت الفترة التي لازم فيها السيّد عبداللّه والده المقدّس أغنى دور في حياته العلميّة ، بل أطول وأعرض فترة في تكوين شخصيّته العمليّة .
صفاته ومواهبه
يطالعك السيّد عبداللّه ، فتأخذك منه طلعة هاشميّة بسماتها وصفاتها ، فهي تحكي مهابة العالم الورع ، وهمّة الشباب المتوقّد .
يحدثّك دون ملل منه أو من جلسائه ، وحديثه يجرّ حديثه ، فينتقل من موضوع إلى موضوع ، كأنّه يقرأ في كتاب ؛ لأنّ أحداث التأريخ حاضرة لديه ، بشؤونها وشجونها ، بعجرها وبجرها ، بطرائفها ومآسيها ، وسيرة الرجال على لسانه ، يصوّرها ويفصّلها ، كأنّه شاهد عدل على أحداثها ، أو كاتب بالعدل لتأريخها .
لا تعجب ، فقد تكوّنت في صدره مكتبة عامرة بأنفس الكتب وأنفعها ، وتحوّل فكره إلى مسجّل دقيق الالتقاط ، لا يترك شاردة ولا واردة إلّا أحصاها ، وله طاقة نادرة على اصطياد المفارقات والمواقف المذهلة من ممارسات الحاكمين باسم الإسلام ، عبر العصور المظلمة والمضيئة على السواء .