وامتدّت به الطريق إلى إدارة الجعفريّة ؛ لينتهي رئيسا لها ولا يزال ، والحديث عن الجعفريّة في جبل عامل ، هو الحديث عن الغيث في الجنوب القاحل ، وهكذا كان جهاده في الجعفريّة على مستوى معاناة الجنوب ، وكان بذلك رسول أبيه فيها ، وطفق يعمق بها جذورا ويعلو بها بنيانا ، حتّى كانت القلعة .
لقد هاجر إلى أفريقيّا من أجلها الهجرتين ، وقضى سحابة عمره واقفا على بابها ، يصلّي في محرابها ، فالجعفريّة الابتدائيّة ، فالتكميليّة فالثانويّة عنه صدرت ، وبه شمخت ، وكانت ولا تزال تدرج على عينه ، وتنبض في قلبه ، وتحيا في إيمانه ، نجما في الليالي السوداء ، وواحة في كبرى الصحراء .
وصدر عنها شبابها صدور الشعاع من الكوكب ، والأريج عن الزهر ، وهل النخبة المصفّاة في الجنوب ؟ وهل النابهون في كلّ اختصاص إلّا حصيلة هذه المؤسّسة المنارة ؟
وهل أطبّاء ومهندسو وصيادلة ومحامو وأساتذة وقياديّو صور وما إليها إلّا صنع يدي الجعفريّة وجعفر ؟
نشاطه الأدبي
وله في دنيا الأدب مدرسة ونهج أيضا ، وليس قلّة أولئك الذين يستقون من مناهله في جنوبنا المتأدّب ، ومجلّة المعهد هي فصل في مدرسته ، وعنوان في منهجه ؛ ذلك أنّ أدبه يبدو وكأنّه مقلع فكر ، أو كأنّه من جانب آخر روضة يضحك فيها الزهر الملوّن ، والعطر الأخضر ، والنغم النسيق ، والماء السلسبيل ، فالكلمة على ريشته صور ، والعبادة مشهد ، والمشهد لوحة ، ولا يتأتّى إلّا لذوي الجناح السارح بين النجوم .
والكلمة على فمه تسترق منك السمع والبصر والفؤاد ، فلا تدري : هل أنت مع النغمة المعبّرة ، أو المشهد الحيّ ، أو مع الوجدانيّة التي تبعث فيك يقظة الحياة ؟
كتب في الأدب وفي التربية وفي السياسة وفي المجتمع من وحي هذه المدرسة