تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الشريف المرتضى — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
قال : فأحب أبو تمام أن يخرج عن عادات بني آدم ويكون أمة وحده . فيقال له : لم لم تفطن لمعنى أبي تمام فذممته ، وقد تكلمنا على هذه الوهلة منك في كتابنا المعروف بغرر الفرائد وقلنا : إنه لم يرد العيادة الحقيقة التي يغشى فيها العواد مجالس المرضى ، وإنما تلطف في الاستعارة والتشبيه وأشار إلى الغرض إشارة مليحة . والمعنى : أن الشيب لما طرقني كثر عندي المتوجعون لي منه والمتأسفون على شبابي ، إما بقول يظهر منهم أو بما هو معلوم من قصدهم واعتقادهم ، فسماهم عوادا تشبيها بعائد المريض الذي من شأنه أن يتوجع له من مرضه . ولما كثر المتفجعون له من الشيب حسن أن يقول ( عمرت مجلسي من العواد ) ، لأن هذه العبارة تدل على الكثرة والزيادة . وهذا الذي ذكرناه في كتاب الغرر وهو كاف شاف ، ويمكن فيه وجه آخر ، وهو : أن يريد بقوله ( عمرت مجلسي من العواد ) الإخبار عن وجوب عيادته واستحقاقه لذلك بما نزل به ، فجعل ما يجب أن يكون كائنا واقعا . وهذا له نظائر كثيرة في القرآن وفي كلام العرب وأشعارهم ، قال الله عز وجل ( ومن دخله كان آمنا ) 1 ) وإنما المعنى أنه يجب أن يأمن ، فجعل قوة الوجوب واللزوم كأنه حصول ووقوع . وما يروى عن النبي صلى الله عليه وآله من قوله ( العارية مردودة والأمانة مؤداة والزعيم غارم ) من هذا أيضا ، لأنه جعل الوجوب في هذه المواضع كأنه وقوع ووجوب . وقد يقول القائل : فعل فلان كذا من الجميل فكثر مادحوه ، وإن لم يمدحه أحد ، وفعل كذا من القبيح فكثر ذاموه ، وإن لم يذمه بشر . وإنما المعنى ما أشرنا إليه .
هامش
1 ) سورة آل عمران : 97 .
رسائل الشريف المرتضى — صفحة 157 | الشريف المرتضى / السيد أحمد الحسيني