وقد أثبت البخاري ومسلم في صحيحيهما ( 1 ) ، وغير واحد من أثبات السنن
والأخبار ، تخلف علي عن البيعة ، وأنه لم يصالح حتى لحقت سيدة النساء بأبيها
( ص ) ، وذلك بعد البيعة بستة أشهر ، حيث اضطرته المصلحة الاسلامية العامة
في تلك الظروف الحرجة إلى الصلح والمسالمة ، والحديث في هذا مسند إلى عائشة ،
وقد صرحت فيه : أن الزهراء هجرت أبا بكر ، فلم تكلمه بعد رسول الله ، حتى
ماتت ( 828 ) وأن عليا لما صالحهم ، نسب إليهم الاستبداد بنصيبه من الخلافة ،
وليس في ذلك الحديث تصريح بمبايعته إياهم حين الصلح ، وما أبلغ حجته إذ قال
مخاطبا لأبي بكر :
فإن كنت بالقربى حججت خصيمهم * فغيرك أولى بالنبي وأقرب
وإن كنت بالشورى ملكت أمورهم * فكيف بهذا والمشيرون غيب ( 2 )
واحتج العباس بن عبد المطلب بمثل هذا على أبي بكر ، إذ قال له في كلام دار
هامش
( 1 ) راجع من صحيح البخاري أو آخر باب غزوة خيبر ص 39 من جزئه
الثالث ، وراجع من صحيح مسلم باب قول النبي : لا نورث ما تركناه فهو صدقة ،
من كتاب الجهاد والسير ص 72 من جزئه الثاني ، تجد الأمر كما ذكرناه مفصلا .
( 2 ) هذان البيتان موجودان في نهج البلاغة ، وقد ذكر ابن أبي الحديد في
تفسيرهما من شرح النهج ص 319 من مجلده الرابع : أن حديثه فيهما موجه لأبي بكر ،
لأن أبا بكر حاج الأنصار في السقيفة ، فقال : نحن عترة رسول الله ( ص ) وبيضته التي
تفقأت عنه ، فلما بويع ، احتج إلى الناس بالبيعة ، وأنها صدرت عن أهل الحل
والعقد ، فقال علي ( ع ) : أما احتجاجك على الأنصار بأنك من بيضة رسول الله ( ص )
ومن قومه ، فغيرك أقرب نسبا منك إليه ، وأما احتجاجك بالاختيار ورضا الجماعة
بك ، فقد كان قوم من جملة الصحابة غائبين لم يحضروا العقد ، فكيف يثبت . ا ه .
وللشيخ محمد عبده تعليقتان على هذين البيتين تتضمنان ما قاله ابن أبي الحديد في
تفسيرهما .