فصل :
فإن كان الرجل وحده ، أو كان له من يمونه
وله كفايتهم وكان ذا كسب ، فأراد الصدقة بجميع ماله وثوقا منه بحسن التوكَّل والسعي في كسبه بقدر كفايته وكفاية من يمونه ، كان سائغا ، لقول النبيّ صلَّى الله عليه وآله وقد سئل عن أفضل الصدقة : « جهد من مقلّ إلى فقير في السرّ « 1 » .
فإن فقد هذان الوصفان في الرجل ، كره له التصدّق بجميع ماله ، لما رواه جابر بن عبد الله قال : كنّا عند رسول الله صلَّى الله عليه وآله إذ جاءه رجل بمثل بيضة من ذهب ، فقال : يا رسول اللَّه ، أصبت هذه من معدن فخذها فهي صدقة ما أملك غيرها ، فأعرض عنه رسول الله صلَّى الله عليه وآله ، ثمَّ أتاه من قبل ركنه الأيمن وقال مثل ذلك ، فأعرض عنه ، ثمَّ أتاه من قبل ركنه الأيسر ، فأعرض رسول الله صلَّى الله عليه وآله ، ثمَّ أتاه من خلفه ، فأخذها رسول الله صلَّى الله عليه وآله فحذفه بها ، فلو أصابته لأوجعته ، أو لعقرته ، وقال رسول الله صلَّى الله عليه وآله : « يأتي أحدكم بما يملك ثمَّ يقول : هذه صدقة ، ثمَّ يقعد يستكفّ الناس ، خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى » « 2 » ومعنى قوله عليه السلام : « يستكفّ الناس » يتعرّض للصدقة ويأخذها ببطن كفّه .
ولأنّ إخراج جميع المال لا يؤمن معه فتنة الفقر ، فيذهب ماله ويبطل أجره ، ويصير كلَّا على الناس .
فصل :
ويستحبّ العطاء من غير مسألة ، لأنّ في المسألة إذلالا بالمؤمن .
روى ابن بابويه عن مسعدة بن صدقة ، عن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام أنّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه بعث إلى رجل بخمسة أو ساق من تمر
هامش
« 1 » مسند أحمد 5 : 178 ، مجمع الزوائد 1 : 197 وج 3 : 116 .
« 2 » سنن أبي داود 2 : 128 الحديث 1673 ، سنن الدارميّ 1 : 391 ، سنن البيهقيّ 4 : 181 .