شرح
أما الانصراف فلانه ليس الكلام في مقام الاثبات حتى يدعي انصراف المطلق إلى بعض أفراده ، بل
في مقام الأقسام بحسب الثبوت ، وأنه لو قصد البائع من قوله : ( بعتك عبدا من العبدين (
نصفا من كل منهما فما حكمه ؟
وبعبارة أخرى : عدم ظهور الكلام في ما قصده المتبايعان لا يوجب الفرق بين المثال وغيره من
الأمثلة بحسب التصور .
وأما توقف الكسر المشاع في الثاني على التنزيل فهذا لا يضر بصحة بيع الكسر المشاع ، فإن
اعتباره لا مؤنة له ، ولا يلزم أن يتكفله الانشاء حتى يقال : إنه لا يمكن الجمع بين اللحاظين في
إنشاء واحد .
وبالجملة : لا فرق بين متفق الاجزاء ومختلفها ، هذا كله لا إشكال فيه ، وإنما الكلام في تصوير
الكسر المشاع ، وأن الشركة الحاصلة في المبيع على اي كيفية ؟
فنقول : ذهب أكثر المتكلمين وبعض الحكماء قبل ظهور الاسلام : إلى أن مادة الجسم المطلق هي
الاجزاء التي لا تقبل القسمة ، لا خارجا ولا ذهنا ، ويسمي كل جزء من هذه الاجزاء بالجوهر
الفرد والجزء الذي لا يتجزأ .
وذهب النظام : إلى أن الجسم مؤلف من أجزاء غير متناهية . واختار بعض المحققين من المتكلمين
وجمهور الحكماء إلى بطلان الجزء الذي لا يتجزأ ، وعلي فرض تحققه فليس هو مادة الجسم المطلق .
وصار بطلان عدم قابلية الجزء للقسمة من أوضح البديهيات في عصرنا ، لان كل متحيز بالذات -
أي كل ما هو قابل للإشارة الحسية إليه - لا بد أن يكون ما يحاذي منه جهة الفوق غير ما يحاذي
منه جهة التحت ، وكذا باقي الجهات الست ، فلا محيص من أن يكون منقسما وإن لم يكن فعلا
كذلك ولم يكن لنا آلة لتقسيمه .