ولكن السيّد محمّد الصدر بدأ يختط لنفسه طريقا آخر للكفاح ؛ إذ حصر جهوده في القضيّة العربيّة العراقيّة ، واستند في ذلك إلى شجاعته وفتوّته ، وإلى مركز والده المحترم .
فاندفع في مؤازرة المكافحين في سبيل العروبة ، حتّى انتهى به الأمر هو وإخوانه إلى ثورة عاتية ، أعلنوها على الغاصب المحتلّ .
لقد كان لجهوده - كما سمعت ذلك وفهمته من المرحوم والدي - أكبر الأثر في توحيد الامّة الإسلاميّة في العراق ، دون تحيّز لمذهب ، أو تعصّب لطائفة .
ولمّا تكلّلت مساعي التوحيد والتنسيق بالنجاح ، وظهرت الاخوّة الإسلاميّة بمظهرها الرائع الذي أتعب السلطة المحتلّة وأعوانها ، قام العراقيّون قومة واحدة مكافحين في سبيل حرّيّتهم واستقلالهم ، من دون أن يكون بينهم آمر ومأمور ، أو رئيس ومرؤوس ؛ لأنّ عامل الاخوّة الوطنيّة وحده هو الذي كان يتقدّمهم ويظلّلهم بظلّه الوارف .
وعندما قرّرت السلطات المحتلّة إلقاء القبض على القائمين بحركة التحرير وقوّادها ، كان السيّد المرحوم من جملتهم ، لكنّه أفلت وفرّ مع الزعماء الآخرين ، إلى حيث استووا في مراكز جديدة للقيادة والتوجيه .
وكانت حصّة السيّد البقاء في منطقة ديالى ، حيث الحركة تتطلّب همّة أكثر .
ولمّا انحلّت الثورة ، وأصبح تباعد القائمين بها ضروريّا اتجّه المرحوم إلى سوريّا ، وتحمّل في طريقه مصاعب جمّة ، ذكرها لي الو الد في وقتها حتّى بلغ الشام ، حيث لقي كلّ إكرام وإعزاز .
ولمّا تطوّرت الحالة السياسيّة في العراق ، واستقرّ الرأي على أن يتعهّد المرحوم الملك فيصل أمر العراق طلب إليه أن يلتحق به مع الآخرين ، فالتحق وعاد إلى العراق بمعيّة المرحوم الملك .
ومن ذلك الوقت انتهت حياته الثائرة ، وبدأت حياته السياسيّة الجديدة التي كان له من ماضيه وتأريخه ، ما جعله فيها مرموقا ومحترما لدى الجميع .
لقد كان المرحوم الصدر من العناصر الرزينة المعتدلة في التفكير والعمل ، وقد قام في
موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين — صفحة 757
مساهمون: السيد عبد الحسين شرف الدين
ص٧٥٧