وخرج معاون شرطة الكرخ بخفّي حنين من لدن سماحته ، بعد أن تلقّى درسا جديدا في قوّة الجنان ، وثبات الإيمان ، واستمرّ سماحته إلى أن اغتيل بكر صدقي لا يعود إلى داره في كرخ بغداد إلّا في وقت متأخّر على خلاف عادة سماحته .
هذه حادثة رواها لي أشخاص متعدّدون ، أطمئنّ إلى صدق ما ينقلون .
وعندما انتهت أيّام بكر صدقي بمقتله ، طفحت أعمدة الصحف الخارجيّة ، وأهمّها صحف سوريّا ولبنان بمعلومات ثمينة عن موقف السيّد الصدر تجاه الانقلاب ، وتسابق شعراء الأقطار العربيّة في امتداح هذا الموقف ، وتهنئة سماحته على ما بذله من جهد في سبيل الوطن والامّة .
وأختار لك ممّا قيل بهذه المناسبة من الشعر الراقي قصيدتين نظمتا في القطر اللبناني الشقيق ، ونظمها رجلان لهما من المكانة الدينيّة والعلميّة ما يجعل لهاتين القصيدتين قيمة ، بالإضافة إلى ما احتوتاه من بليغ الكلم ، ورائق الحس ، وسحر البيان ، والقصيدة الأولى للعلّامة الجليل السيّد عبد الحسين نور الدين وهي :
تذكّرت أيّام الصبى ولياليه * توغّلت في ساعاته وثوانيه
سبرت حياتي بؤسها ونعيمها * وما ذقته من رنق عيش وصافيه
فعادت بأحلام عليّ روائع * ولا شيء للعاني كتذكار ماضيه
تخيّرت منها ما حلا لي ادّكاره * إذا شقيت نفسي أعلّلها فيه
زمانا نعمنا فيه بالقرب من أخ * حبيب إلى قلبي بنفسي افدّيه
تنزّه عن « لولا » ولولا وقاره * لما كان تشبيبي بغير معانيه
له صورة في النفس يجلو جمالها * متى أجتليها كلّ همّ الاقيه
يمثّله الشوق الممضّ بخاطري * فأحظى بلقياه على نأي ناديه
فطوبى لقلبي كلّما شفّه الجوى * يبيت بأسرار الغرام يناجيه
وهل تسعد الأقدار طرفي بنظرة * لذاك المحيّا الطلق طوبى لرائيه
تعالى بقدر ضاق عن وسعه النهى * وهيهات إجلالا له أن اسمّيه