تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين — صفحة 683

مساهمون:

ص٦٨٣
إلى غير هؤلاء الأقطاب من طبقات الفضلاء الذين حفظوا النجف في هذه الأزمة المشتدّة على طلّاب العلم الديني ، وقد عرفت لهم جميعا جهدا في حفظ هذه الحوزة ، لو لم يجهدوه لكانت الحياة العلميّة مدعاة للرثاء ؛ لأنّها تتعرّض لموجة من أقوى موجات التحوّل ، ومن أعنف الجهاد وأشقّه أن تتعرّض الحياة لمثل هذه الموجة ، ثمّ تحفظ توازنها من غير أن تتسلّح لمواجهتها بوسائلها الكافية ، والسلاح الذي نعنيه هو هذا التطوّر المنظور الذي عرضنا له في أوّل هذا الفصل ، وهو تطوّر لا يمسّ جوهر المدرسة فيما أنشئت من أجله ، بل يساعد على اشتداده وتوهّجه بروح تقضي على القالة والشغب والإشاعات . ومهما يكن من أمر فقد أحسّ بهذا نفر من الفضلاء ، وكانت عندهم محاولة ظهرت في منتدى النشر ، فأسّسوا مدرسة ذات برامج مقرّرة في دراسات فنيّة ، لعلّها تكون نواة لما ندعو إليه ، فتكون بعدئذ الجامعة الحافلة العاملة المؤمّلة . وهي - على كلّ حال - أكرم مدينة عليّ ؛ لأنّها المدينة التي نموت فيها جسما وفكرا ، فتكوّنت فيها شخصيّتي وروحي منطبعتين بمائها وهوائها وثقافتها يوم كان يقبل عليها المقبل فيقبل على هدير كهدير البحر ، يعلو فيها من كلّ جزء من أقطارها المرتفعة بالبحث والمدارسة والمناظرة ، نضّر اللّه ذلك المعهد المخضر . ها هي النجف متّكئة على عاتق جبلها الحبيب ، وها هي القبّة العالية تطلّ من الجوّ على الصحراء كما تطلّ المنارة الهادية ، وتدعو إلى الخصب والريّ ، وتدعو إلى الهدى والعلم ، فتحوّل الصحراء إلى جنان تترقرق فيها الأضواء ، وتتلألأ المياه ، ويخضر اليبس من تلك الرمال الظامئة .
موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين — صفحة 683 | السيد عبد الحسين شرف الدين / مركز العلوم والثقافة الإسلامية