شطّ بنا القلم ، فلنرجع إلى ما كنّا فيه من ذكر الأقطاب الذين كان المدار في النجف يومئذ عليهم :
فمنهم : المحقّق المدقّق الشيخ محمّد حسين الأصفهاني شارح الكفاية « 1 » كان من العلماء المؤمّلين للمرجعيّة العامّة بعد الطبقة الأولى في ذلك العهد ، وكان ذا مدرسة خاصّة في علم الأصول ، وقد توسّع فيه فلحقه بأصول الفلسفة ، وأخضع الفكر للمنطق - في درسه - إلى أبعد حدّ ، فكانت مدرسته تسيطر على حلقة ذات شأن في النجف ، وكان هو قائما على أساسها ، وله في نفوسهم مقام شامخ يتطوّعون له ويدعون إليه ، ويفضّلون أسلوبه نقضا وإبراما على سائر الأساليب العلميّة المعروفة يومئذ في تربية ذوي الملكات العلميّة ، وتخريج أولي الفكر في الفقه والأصول ، وكان من المنتظر أن يرقى إلى قمّة الزعامة الكبرى لو امتدّت به الحياة ، ولكن فاجأته المنيّة أيّام الإمام السيّد أبو الحسن الذي كان يمتدّ ظلّه في العالم الإسلامي امتدادا لا يترك لشاخص ظلّا .
وهناك حلقات اخر تنتثر في أنحاء النجف انتثار الكواكب ، وتتفرّع تفرّع الجداول ، وعلى كلّ حلقة بطل من أبطال العلم يأخذها بأسلوبه وطابعه في التربية .
فمنهم : السيّد عبد الهادي الشيرازي « 2 » ، والسيّد حسين الحمّامي النجفي « 3 » ،
هامش
( 1 ) - . ولد سنة 1296 ، وتوفّي سنة 1362 [ راجع نقباء البشر 560 : 2 ، الرقم 982 ] . « ع »
( 2 ) - . هو السيّد عبد الهادي بن السيّد إسماعيل الشيرازي الحسيني ، والده ابن عمّ زعيم الشيعة المجدّد الشيرازي ، ولد في سامرّاء سنة 1305 ، وقد بلغ في الفقه والأصول درجة قصوى ، واشتهر بين العلماء والطلّاب بالتحقيق والتدقيق ، وتخرّج عليه جمع من الأفاضل والفطاحل ، وكان من الأتقياء الذين يضرب المثل بروحانيّتهم ونزاهتهم وتواضعهم ، وقد قرن العلم بالعمل وصار مثلا أعلى في الأخلاق وتهذيب النفس ، وأجمعت كلمة الخواصّ على ترشيحه للزعامة العامّة ، ورجع إليه كثير من المؤمنين في التقليد في العراق وإيران وغيرهما ، توفّي سنة 1382 . انتهى ملخّصا عن نقباء البشر ج 3 ص 1250 . « ع »
( 3 ) - . هو السيّد حسين بن السيّد عليّ بن السيّد هاشم الموسوي المعروف بالحمّامي ، كان من مراجع هذا العصر ، وشيوخ الحوزة العلميّة ، ولد سنة 1298 ، وقد كتب عنه تلميذه العلّامة الشيخ محمّد جواد مغنية في مذكراته ، ونقتطف منها ما يلي :
كان الأستاذ يبذل جهدين : جهدا لشرح المسائل العلميّة والقواعد الكلّيّة ، وجهدا لبيان طريقة المؤلّفين واصطلاح العلماء وأسلوبهم في بيان ما يقصدون ويهدفون ، وهو الخبير العليم بمقاصدهم وعباراتهم وأساليبهم ، ويجمع إلى العلم الجمّ محضرا حلوا ، وحديثا عذبا ، وبيانا خلّابا ، وسجيّة صافية لا يدنّسها العجب والرياء ، لقد أحاطت الخطوب بهذا السيّد ، فصبر عليها مجاهدا في سبيل العلم والدين ، وكان من نتيجة هذا الصبر الطويل ، أن ابتسمت له الأيّام بعد العبوس فأصبح عالما كبيرا ، وأستاذا ناجحا ، ومرجعا للطائفة . انتهى . توفّي سنة 1379 [ راجع نقباء البشر 620 : 2 - 621 ، الرقم 1046 ] . « ع »