في مصر
كانت مصر وما تزال منارة من منارات العلم في الشرق العربي والدنيا الإسلاميّة .
يؤمّها روّاد المعرفة ، ومنتجعو الثقافة من مختلف الأقطار ، وقد كانت تكافئ النجف الأشرف بأزهرها الشريف ، وتجاريه في خدماته للثقافة الإسلاميّة ، وحراسته للعلوم العربيّة ، وقد أمّ الأزهر - فيما أعلم - كثير من أعلامنا توسّعا في العرفان والإحاطة ، وتزيّدا في المعلومات والاطّلاع ، وقد كنت احبّ فيما احبّ أن أزور مصر وأقف على أعلامها لأخذ العلم عنهم ، ولأبلو ما يبلغني عن الجامع الأزهر ذلك المعهد الجليل .
وظلّت هذه الأمنية كامنة في نفسي حتّى حفزها خالي المرحوم السيّد محمّد حسين في أواخر سنة 1329 حين زارنا في عاملة ، فوجدتني وإيّاه - كما ذكرناه في ترجمته « 1 » - نمخر عباب البحر في باخرة ألقت مراسيها في بور سعيد ، ثمّ حملنا القطار منها إلى القاهرة .
وكان لهذه الزيارة أثر محمود في نفسي وفي حياتي ، ذلك أنّي توخّيت أن أتغلغل في الحياة العلميّة ، واستبطن دخائل المجتمعات الأدبيّة بالتحدّث إلى العلماء ، والسماع منهم ، وتبادل الزيارات بيني وبينهم ، وبالمناظرة في أهمّ المسائل العلميّة التي كانت مدار البحث ، ومحكّ الفضيلة .
وقد بدأت هذه الجولة بالحضور في دورة الشيخ سليم البشري المالكي رحمه الله تعالى « 2 » شيخ الأزهر يومئذ ، وكان يشرف على طلّابه من منبره ، وهو منطلق في درسه انطلاقا يلحظ فيه توفّره وضلاعته فيما هو فيه ، وكان يلقي درسا في مسند الإمام الشافعي ، فكان يعرض أوّل ما يعرض للسند ، فيترجم رجال سلسلته باختصار ، فإذا
هامش
( 1 ) - . تقدّم في ص 377 .
( 2 ) - . تقدّمت ترجمته في ص 532 .