ولكنّ الذي كان من أثر تلك الإشاعات أن فارت العصبيّة الدينيّة ، واستيقظت النخوة العربيّة ، فاضطرب حبل الأمن ، وانتشرت الفوضى في البلاد .
ووجدت سياسة الاستعمار - في هذه الشقّة التي غذّتها فكريّا - طريقها المؤدّي إلى مأربها من التفريق في هذه الفترة العصيبة ؛ ذلك أنّها قصدت إلى أن تجلو نقطة الضعف في هذا الشعب الناشط لكرامته واستقلاله وتدفعه إلى أن يعلن عن نفسه عدم الكفاية لما ينشده من التحرّر والانعتاق ، فجهّزت المسيحيّين بالأسلحة بدعوى تمكينهم من حماية حوزتهم ، ثمّ تغافلت عن الثوّار تغافلا اضطرّ المصلحين من هذه الامّة أن يطالبوا الحكومة بإيقاف الثوّار عند حدّ .
فماذا فعلت الحكومة ؟
إنّها بذلت السلاح للمسلمين أيضا بحجّة أنّها تدع لهم تأديب العصاة ومطاردتهم ، ولكن الحقيقة التي رمت إليها من وراء ذلك أن يثوروا بالنصارى ليتّسع الفتق ، ويثبت ما قصدت إليه من التدليل على عدم كفايتنا للاستقلال ، فتقيم عندئذ حكمها على قاعدة من هذا التدليل ، كما أقام أمثالها حكمهم على قاعدة مثله .
وكان النمّامون النفعيّون من أذناب الفرنسيّين - أثناء ذلك - يثيرون حماسة الفتيان العرب من جهة أخرى ويطمعونهم ويغرونهم بمواطنيهم ليتلاقى طرفا الحيلة الاستعماريّة ، ويبرم أمر التدبير .
وكان لهؤلاء الإقطاعيّين المذبذبين شأن في هذا العصيان ، كما كان لهم شأن في السعاية بالمخلصين ، يلبسون منها وجوها صفيقة عديدة ، فهم معنا بوجه ولسان ، ومع الفرنسيّين بوجه ولسان آخرين ، ومع الأمير فيصل بوجه ولسان غير هذين .
وبهذا الدسّ الذي طبعوا عليه أذكوا حماسة المتحمّسين ، واستغلّوا بساطتهم فانقاد من انقاد للغرور ، ومضوا يؤذون المواطنين نهبا وقتلا وتجريحا .
موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين — صفحة 586
مساهمون: السيد عبد الحسين شرف الدين
ص٥٨٦