زيارته من عناية ورعاية وبركة وخير ، ولقد ترك في نفسي ونفس أخي أبلغ ممّا يتركه الندى في الأكمام من تفتح في البراعم ، وتفاوح في الزهر ، حتّى استراح إلى راحتنا ، واطمأنّ إلى تحصيلنا ، ولفرط حنانه لم يقنع بما شاهد بنفسه من أسباب الثقة بنا ، حتّى استقصى أحو النا فأشرف على حياتنا العلميّة بسائر مرافقها ، ووقف على دروسي ، وعلى أبحاثي ومذاكراتي ، واتّصل بأساتذتي ومربّي اتّصالا أفضى به إلى ذلك الرضى ، وإلى تلك الثقة ، والحمد للّه رب العالمين .
وقد غادرنا قافلا إلى وطنه مطمئنّا مرتاحا بعد منتصف شعبان سنة 1313 .
أخلاقه
كان - أعلى اللّه مقامه - خلاصة الحسب ، وعصارة الكرم ، وبقيّة الأحرار ، وتليّة الكرام ، وعنوان المروءة ، وكنه النجابة ، ومثال الإباء ، وعزّة النفس ، لا يلبس ملابس الهوان ، ولا يري من نفسه استكانة ، وربما نزت في رأسه سورة الأنفة ، وملكته عزّة النفس - على أنّه كان خافض الجناح للمؤمنين ، في غاية التواضع لهم ، يأخذ الأمور معهم ومع غيرهم بالمسامحة ، ويعطي النصفة من نفسه ، حتّى للألدّاء من خصومه ، ويعترف بالفضل لذويه ، ويرتّب أثر ذلك عليهم في أفعاله ، كما يصرّح بها في أقو اله .
وما أشدّ تنائيه عن العجب ، وتجافيه عن مذاهبه ، وما أعظم ورعه واحتياطه عند الشبهات ، لم يقض بين اثنين على كثرة المترافعين إليه ، وإنّما كان يصلح بينهم ، وله في ذلك طرق موفّقة قلّ من يهتدي إليها ، وكما لم يقض بين اثنين لم يفت بحكم ، وإنّما كان يصدع بالاحتياط ، أو يرجع المستفتين إلى المراجع العامّة ، ورسائلهم العمليّة .
وكان موطّأ الأكناف ، يبتهج بالأضياف ، ويمتدّ باعه في قراهم ، يجد بذلك قرّة عينه ،