فقد كان رفيقا برّا لنهضة العراق منذ فجرها ، وما زال ولن يزال الرفيق البرّ لهذه النهضة ، يلتمع منها في كلّ دجنة غامضة الظلام التماع الكوكب الهادي ، فتنجاب على إشراقه ظلمه ، وتنحل على أنامله عقده ، وتطّرد من الحياة في أمن وسلام ، حتّى إذا تعقّدت من جديد كان عدّتها المؤمّل ، وفرجها المنتظر ، يأتي بأعماله الحكيمة الجسيمة في سكينة وصمت ، ويتسلسل مطّردا فيها بهدوء ووقار ، فلا ضجيج ، ولا عجيج ، ولا إعلان ، ولا اكتراث ، وإنّما هي طبيعة الإخلاص تدعوه فيجيب ، ثمّ لا يحفل إلّا بأن يجيب ، ولا يأبه إلّا بأن تستجيب لإجابته مآتيه البكر ، وأحداثه الجسام .
شأن الجندي المجهول في أعلى خصائصه وميزاته وطبائعه ، وبماذا يحدّثك كتابنا هذا ؟ وهو محدود بنصب مرسومة وضعت ؛ لتدلّ على ملامح الأسرة دلالة عامّة تجتزئ بالقليل عن الكثير ، وإنّ في حياة هذا الغلام الزعيم الكريم لأصواتا تحتجّ على الإقلال ، وتهيب بالقلم إلى الإكثار . ولكن الجمع بين خطّة هذا الكتاب ومقتضيات تلك الأصوات يوجب بأن نأخذ بجوامع من حياة هذا الزعيم على نحو يدلّ عليها الدلالة التي ترضي الواقع ، وتصحّ أن تكون مأخذا للمفصّلين .
اعتكر جوّ السياسة في العراق سنة 1338 وهي سنة 1920 وآذنت رياحه المشتدّة بعاصفة من عواصفه التأريخيّة التي تلتقي عليها عهود العراق ، وتتجدّد في أعقابها تواريخه ، وكانت بريطانيا تساوم على أن تلحق العراق بما ألحقته بها من بلاد اللّه الممتحنة ، وتحاول أن تضمّه إلى مستعمراتها التي تعلي كلمة السكسون وتبسط ظلّهم ، ولكنّ العراق - وهو ما هو امتلاء بالعرانين الشمّ ، واحتفالا بالهمم المواضي - تململ فيه روح الإباء ، وانتهضت به عزيمة البطولة ، فهبّ صلب العود ، قويّ الشكيمة ، تنبعث جوانبه بالرجال ، وتسيل نواحيه بالفتوّات ، وتندلع فيه ألسنة النهضة ، وألوية الجهاد في صيحة رعد تجلجل في سمائه ، وإذا بالعراق غابة واحدة تبرق بالسيوف ، وتتوهّج بالبارود ، وتتدافع بالآساد من كلّ ذي فؤاد حديد ، ومخلب جارح ، وما نحن من ذلك
موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين — صفحة 340
مساهمون: السيد عبد الحسين شرف الدين
ص٣٤٠