والإمعان في التنقيب ، والتقصّي في التدقيق ، واستبطان دخائل العلم ، واستجلاء غوامضه ، وخوض عبابه ، والغوص على أغواره ، واستخراج مخبآته ، والإحاطة بفروعه وأصوله دائبين في ذلك ، تارة مع أستاذهم أوقات دروسه ، وأخرى معه في غير أوقات الدرس .
وكثيرا ما يكون على سبيل المناظرة فيما بينهم ، وقد يكون هذا بينهم وبين من هو دونهم من تلامذتهم وغير تلامذتهم .
هذا شأن السيّد - صاحب العنوان - وشأن أترابه منذ حلّوا في سامرّاء حتّى ارتحلوا .
كانت إقامة السيّد فيها نحوا من سبع عشرة سنة ما جفّ فيها لبده ، ولا فاتته فيها نهزة ، كان دأبه فيها تعقب خطوات أستاذه الإمام وسائر أساتذته الأعلام ، متتبّعا أطوار الأبطال من أركان تلك الحوزة في سامرّاء مستقرئا طرائق الماضين من أساطين الإماميّة ، يتعرّف بذلك مداخل العلماء في التحقيق والتدقيق ومخارجهم ، ويتدبّر أساليبهم في النقض والإبرام ، واستنباط الأحكام ليطبع على أفضلهم غرارا ، وينهج مناهج أعدلهم أسلوبا ، وأمثلهم طريقة شأن من عناهم اللّه سبحانه بقوله : «
الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ
» « 1 » .
كانت أوقاته في سامرّاء مرتّبة بين حضور على أستاذه الإمام ، ومناظرة مع أترابه الأعلام ، ومحاضرة يلقيها على تلامذته ، وتأليف ينفرد فيه بكتابه ، وعبادة ينقطع فيها إلى محرابه .
وكان بينه وبين الإمام المحقّق المقدّس الميرزا محمّد تقيّ الشيرازي مذاكرة ومناظرة في وقت خاصّ من كلّ يوم استمرّت اثنتي عشرة سنة ( 1 ) .
شرح
( 1 ) في ما نقله الثقة الشيخ عبّاس القمّي في أحوال القاءآني ص 36 من الجزء الثالث من كتابه - الكنى والألقاب « 2 » - وكنت أيّام هجرتي العلميّة إلى سامرّاء ، وذلك سنة 1310 أرى المقدّس الميرزا التقيّ الشيرازي يبكّر في كلّ يوم إلى بيت السيّد للبحث معه ، ثمّ ينصرف إلى درسه العامّ يلقيه على تلامذته الأعلام .
هامش
( 1 ) - . الزمر 18 : 39 .
( 2 ) - . لم نعثر عليه في أحوال القاءآني ولا في غيره في مظانّه . انظر الكنى والألقاب 44 : 3 .