وكان من أوّل نشأته بعيد مرتقى الهمّة ، نزّاعا إلى الكمال ، فحسر عن ساعد الجدّ ، وقام في التحصيل على ساق ، فبدّ ( 1 ) أقرانه وجلّى ، وفاز دونهم بالقدح المعلّى .
وما إن بلغ الثامنة عشرة من عمره حتّى خرج من سطوح الفقه والأصول ، أخذهما عن أبيه بكلّ ضبط وإتقان ، وربما وقف فيهما على غير أبيه أيضا من أعلام الكاظميّة ، وفشا ذكره في التحصيل على ألسنة الخاصّة والعامّة من أهل بلده ، ورنّ صيته بالعقل والفضل والهدي والرأي وحسن السمت في تلك الناحية ، فكان المثل الأعلى من شباب الفضيلة ، في حمد السيرة ، وطيب السريرة ، وجمال الخلق ، وكمال الخلق .
رحلته إلى النجف الأشرف
النجف الأشرف مهطّ العلم ، ومهوى أفئدة العلماء ، منذ هاجر إليها شيخ الطائفة الإمام أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي سنة 448 ، ولم تزل إلى يومنا هذا شرعة ورّاد المعارف الإلهيّة ، ونجعة روّاد العلوم والفنون كلّها ، وعاصمة الدين الإسلامي ، والمذهب الإمامي ، والجامعة العظمى تشدّ إليها الرحال ، والمتجرة ( 2 ) الكبرى تركب إليها ظهور الآمال ، راجت فيها أسواق العلوم عقليّة ونقليّة ، وتخرّج منها الألوف المؤلّفة من أساطين العلماء الذين ملأوا الدنيا علما وهديا ، فانتشروا في الأرض انتشار الكواكب في السماء مبشّرين ومنذرين على سنن الأنبياء من بني إسرائيل .
شرح
( 1 ) بدّهم - بالدال المهملة - أي فرّقهم « 1 » .
( 2 ) المتجرة - بكسر الجيم - يقال : أرض متجرة أي يتجر فيها وإليها ، جمعها : متاجر « 2 » . أما المتجر فهو الاتجار ، ومنه قولهم : صفقته في متجر الحمد رابحة .
هامش
( 1 ) - . راجع المعجم الوسيط : 42 ، « ب . د . د » .
( 2 ) - . راجع تاج العروس 279 : 10 ، « ت . ج . ر » .