وأخذ عن الإمام الشيخ عبد الكريم اليزدي ، وأوغل في البحث عن هذه العلوم ، فإذا هو فسيح الخطوة ، غزير المادّة فيها ، وهاجر إلى النجف الأشرف ، فوقف على الأئمّة من شيوخنا : الشيخ ملّا كاظم الخراساني ، والشيخ آقا رضا الهمداني ، والشيخ محمّد طه نجف .
وأخذ عن العيلمين السيّد محمّد بحر العلوم الحسني « 1 » صاحب البلغة ، والشيخ ضياء الدين العراقي ، يغوص على دقائق المسائل الاصوليّة ، وغوامض الأحكام الفقهيّة ، فيمحّص حقائقها بدقّة واعتدال ، لا يفوته مطلب ، ولا يقف دون غاية ، حتّى عظم وقعه في نفوس أساتذته ، وسطع فضله في أوساط النجف الأشرف وأنديتها العلميّة .
ثمّ رجع إلى أبيه وهو في الحائر فعكف على دروسه فقها وأصولا ، ووقف نفسه على خدمته ليلا ونهارا ، يصمد إليه في دخائل العلوم واستقراء دقائقها ، يغدو ويروح ممعنا مع أبيه وإخوته وأعلام تلك الحوزة الفاضلة في التنقيب والتحقيق ، مستلزما أوقاته في ذلك ، حتّى أحرزوا فيه فصل الخطاب ، ومفصل الصواب ، فإذا هو من مراجع الامّة ، ومصابيح هداها . . . .
وله الميزة في الزهد ، والعزوف عمّا يشوق غيره من مغريات المظاهر ، يعيش في رحب من نفسه الراضية ، غنيّا عن دنيوات الناس بما في دنياه من جنان القناعة والإيثار والتواضع ، وفي نفسه من هذا المعدن كنوز تتوهّج بالأعلاق والنفائس ، من حلى النفس ورياضتها على جشوبة العيش وخشونة المركب .
ولعلّي لا أعرف رجلا يمتاز بمثل امتيازاته البيتيّة والعلميّة والنفسيّة ، ثمّ يفرّ ممّا يدعوه ذلك إليه من ظهور أو استعانة به على أمر من أمور الحياة .
هامش
( 1 ) - . كان له اليد الطولى في المعقول ، وإحاطة بالمنقول ، ماهر في الفقه ، ولد سنة 1261 ، وتوفّي سنة 1326 . انتهى ملخّصا عن ماضي النجف وحاضرها ، ج 1 ص 158 ، ومعارف الرجال ج 2 ص 381 . « ع »