عقدهم ، وقد عني أبوه بأمره ، يؤويه منه إلى عيلم علم وعلم حلم ، فكان كلّ يوم من ذلك في مزيد حتّى قضى أبوه نحبه ، وأجاب داعي ربّه ، فتبوّأ دست إمامته يصدر عن رأيه ألوف يقلّدونه في أحكام الدين ، واستوسقت زعامته بعد المقدّس خاله الإمام أبي محمّد الحسن الصدر أعلى اللّه مقامه .
وكان منذ نشأ مهوى الأفئدة ، ومناط القلوب ، بما تحلّى به من لين الجانب ، وكرم الخلق ، يسع الصغير بما يسع به الكبير ، من عواطف أرقّ من نسمات الربيع ، وأندى من طلل الفجر ، يأخذ نفسه بزيارة القادم ، وتشييع المسافر ، وعيادة المريض ، وأداء حقّ كلّ ذي حقّ ، فإذا تهلّل للحديث قلت : «
ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ
» « 1 » .
وكان ذا حسن بارع ، وجمال رائع ، ورونق معجب ، وبهاء مونق ، ملء السمع والبصر ، خلقا وخلقا ومنطقا ، فلا غرو أن علقت به النفوس ، واستأثر منها بأسمى مكان وأعزّه ، وأحيط منها بأوفى ثقة وأتمّها .
وكان موسوعة جامعة ، يضمّ إلى علومه العقليّة والنقليّة ضلاعة أدبيّة وعربيّة وفارسيّة ، يرجح بها على المتخصّصين بالآداب من أعلام العرب والفرس .
وله في ذلك ذوق يوصله إلى أبعد الغايات في النقد - مع امتيازه بالذكاء والفطنة ، وسرعة الانتقال - ذو حافظة تجمع شوارد اللغة ، وكثيرا من جيّد الشعر الجاهلي والإسلامي ، وتأريخ الأدب العربي والفارسي ، وخصائص عصوره ، وأحوال الأمم العابرة والحاضرة ، وأمثال العرب والفرس ، وحكمهم المأثورة لا تفوته في ذلك شاردة .
وكان في قوّة الذاكرة آية من آيات اللّه ، ينطبع فيها ما يروقه وما يسمعه ، أو يقرأه من كلام فيه علم أو أدب ، ثمّ لا ينساه غالبا ، فإذا أفرغ فإنّما يفرغ عن أوعية شتّى ، يسترسل عن لوح قلبه ، فتخاله يتلو عن لوح مسطور .
لم أر أحضر منه ذهنا ، ولا أطول في البحث نفسا ، يثبت رأيه بالأدلّة الملزمة من
هامش
( 1 ) - . يوسف 31 : 12 .