وجلس في الطرف الشمالي من الصحن خلف مسجد عمران مفكّرا في أمره ، وإذا برجل قد وقف عليه وقال له : أنت سيّد موسوي النسب ؟
قال : نعم . فدفع إليه خمس توأمين وقال : هذه نذر لمن ينتسب إلى الإمام موسى بن جعفر عليه السلام فأخذها وقام حامدا شاكرا .
وكان سيّدنا الفقيد يحدّث أولاده بأمثال هذه النوادر عنه وعن غيره تهذيبا لهم وإرشادا إلى مكارم الأخلاق ، وأنّ العلم والفضل والانتساب إلى الأكابر ، وشرف العائلة لا ينبغي أن يكون سبب غرور الرجل وتكبّره وترفّعه ، بل الواجب أنّه كلّما ارتفع رتبة عند الناس وخصّه اللّه بفضيلة ازداد تواضعا ، وأنّ خير معرّف للرجل بين الناس فضله وعلمه وتقواه ، وأنّ الرجل يلزم أن يكون صادقا في توكّله ، ثابتا في عزمه غير متلوّن .
وله أمثال هذه الأخبار النادرة كثير وفي ما ذكرناه كفاية .
مجمل عن وفاته وتشييعه وتآبينه ومراثيه
قال الشيخ في هذا الفصل :
توفّي السيّد - طاب ثراه - ظهيرة يوم الثلاثاء الثاني عشر من جمادى الأولى سنة 1338 هجريّة في الكاظميّة .
فما شاع خبر وفاته المشوم في الكاظميّة وبغداد حتّى ضجّ الناس بالبكاء والعويل ، وأقبلوا ينهالون إلى داره ، وهم ما بين باك ونادب ، وصارخ ولادم ، يكسوهم المصاب أثواب التفجّع ، وأبراد الكآبة والحزن ، فتراهم سكارى وما هم بسكارى ، ولكن رزءهم بالفقيد عظيم .
والأرض من عظم الرزيّة زلزلت * لرحيله وعلى الرؤوس ترابها
ثمّ حملوا نعشه الشريف ، بل حملوا عيبة علم العالمين ، وخزانة حكمة المرسلين ، فساروا به متسابقين إلى التبرّك بتناوله ، وقائلهم يقول :
سرى نعشه فوق الرقاب وكم غدا * يطوّق هاتيك الرقاب جميلا
وتزاحمت الناس تحت سريره ، فكان لا يدركه إلّا طويل الباع برؤوس أصابعه ، فكأنّه