مجمل الفتن
لما استولى أحمد الجزّار « 1 » على عكّا وما حولها وذلك سنة 1191 أراد أن ينتزع جبل عامل من أيدي حكّامه - وهم شيوخ عشائره - ليضمّه إلى ما استولى عليه ، فكان له مع العامليّين وقائع عديدة آخرها الوقعة المشومة وقعة يارون ( 1 ) ، وكانت في 5 شوّال سنة 1195 زحفت عليها جيوشه ، فنهد إليهم أمير عاملة الشيخ ناصيف النصار من آل عليّ الصغير الوائليّين ، وهم يومئذ هامة المجد ، وعرنين العزّ ، ونواصي الشيعة وغرّتهم في الديار العامليّة ، وكان ناصيف هذا صادق البأس ، جميع القلب ، مسعر حرب ، وخوّاض غمرات ، فالتقى الجيشان قرب يارون ، وكان جيش الجزّار أكثر عددا ومددا ، وأوفر عتادا ، لكن ناصيفا لم يكن لينكل عن خطته ، ولا لتثبط عقله ، وقد عصفت في رأسه النخوة ، فأخذته حميّة الإسلام وحفيظة العرب ، فحمل بنفسه على العدوّ مقتحما عليه فما خاض غمرة الوغى حتّى زلّت قدم جواده فابتدره أحد الجنود بضربة أصابت مقتله فتردّى ، وما إن صرع حتّى انهزمت عساكره لا يلوون على أحد ؛ إذ انفصمت بقتل زعيمهم مرّة صبرهم ، وتمزّقت كتائب عزائمهم ، فجاست جنود الجزّار خلال هذه الديار عنوة ، فلم تأل جهدا في النهب والسلب ، ولم تدّخر وسعا في القتل والمثلة ، وتداعت من العامليّين كافّة حصون عزمهم ، ودكّت أسوار حزمهم ، ورهقهم من
شرح
( 1 ) يارون قرية جنوبي جبل عامل تقع على الحدّ الفاصل بين عاملة وبلاد صفد فيها قبر المرحوم الشيخ ناصيف النصار .
هامش
( 1 ) - . هو من أصل صربي ، ولد حو إلي عام 1132 ، وارتحل إلى مصر ، والتحق بخدمة بعض المماليك المصريّين ، وتدرّج في وظائف الدولة ، واشتهر بنجاحه في قمع ثورة الشيخ ظاهر العمر ، وكافأته الدولة بولاية عكّا وعني بتحصينها ، ولهذا ثبت في مقاومة حصار نابليون لها بالإضافة إلى مساعدة الأسطول البريطاني له ، توفّي عام 1219 . انتهى عن القاموس الإسلامي ج 1 ص 598 . « ع »