عالم الوجود لم يخلق نفسه ، مفتقر إلى غيره في الوجود والبقاء والاستمرار ، بالتالي فان الانسان وعالم الوجود معا يرتبطان بجهة ما ، هي « فوق الطبيعية » ، ويدينان في بقائهما واستمرارهما إلى إرادة غيبية مطلقة تدير الجهاز الوجودي وما فيه عبر القانون العام للعلة والمعلول .
ان مثل هذا الادراك الذي ينطوي عليه الانسان الطبيعي ( الفطري ) يهديه للتسليم إلى إله واحد ( يتسم بالحياة والعلم والقدرة ما فوق الطبيعية ) والانقياد إلى المقصد ( الطريق ؛ النهج ) الذي تنطوي عليه بنيته الوجودية ، والذي يمسك العقل بزمامه .
وفي ذلك يصرّح القرآن :
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ
« 1 » . وفي آية أخرى يبيّن ان الدين لا يعدو ان يكون سلسلة من النظم والتعاليم التي تتسق مع خصوصية الانسان ( الطبيعي ) وتتطابق مع مقتضياته الوجودية وتؤمنها له . يقول تعالى :
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ
« 2 » .
ان الذي يقف على رؤية الاسلام الكلية القطعية هذه ( ان على المجتمع البشري ان يعش بطريقة تتطابق مع الخلقة الانسانية ) ويتأمل بها قليلا ، يستطيع ان يحدس ان تعاليم الاسلام ونظمه تعتبر الحفاظ على العقل السليم في طليعة واجباتها وأهمها ، ولا تسمح بما يؤثر على القوة العقلية حتى للحظة واحدة .
وهذا هو بالفعل موقف الاسلام .
الاسلام يكل إدارة شؤون الحياة الفردية والاجتماعية للانسان إلى العقل ،
هامش
( 1 ) آل عمران : 19 .
( 2 ) الروم : 30 .