وهكذا تولد الشبهات من نظير قولهم : انّ الدين والارتباط بالغيب إذا كان لائقا بالانسان البدائي المتوحش فما حاجة الانسان المعاصر لمثل هذا الارتباط بعد ان قطع شوطه في مسار المدنية ؟
ويقال : هل يعدو الدين ان يكون دعوة لنبذ قانون السببية واهمال الشعور الانساني وقتل إرادة الانسان الطبيعية في مقابل ربطه بعامل غيبي لا مصداقية له ؟
ويقال أيضا : إذا كان خبز الانسان وشبعه يرتبطان بمدى التزامه وتقيده بالتعاليم الدينية ، فلكان يفترض بالمجتمعات الانسانية المتمدنة في عالم اليوم ، ان تموت جوعا وهي تتنكب طريق الالتزام الديني وتتنصل للدين كاملا ، لتتوسّل بالعلم الذي بلغ بها أوج مراحل الرقي والتقدم بحيث أصبح بمقدورها ان تسخّر السماء والكواكب بعد ان سخّرت ما على الأرض ؟
ان أول ما يجب التذكير به مجددا انّ هذه الاعتراضات ليست وليدة العصر الراهن ( الذي يطلق عليه عصر العلم ) بل هي من مواريث العصور السابقة . وغاية ما هناك انها شهدت إعادة انتاج .
اما الجواب اجمالا فيستند إلى هذه المقدمة : ان تقدم الانسان في حقل من حقول المعرفة لا يستلزم تقدما مماثلا في الحقول الأخرى التي تبقى بالنسبة إليه تنطوي على المجهول .
فلا ريب انّ العلوم الطبيعية أضاءت أمام الانسان آفاق المعرفة وأزاحت الظلام والمجهول جانبا بيد انّ ضياءها لم يعم كل مساحات العتمة والجهل .
ومعنى ذلك ببساطة اننا لا ننتظر من علم النفس ان يحل - حتى مع تقدمه - لنا
مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي — صفحة 285
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٢٨٥