تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
هذه الحقيقة تتأكد أكثر بمقارنة بسيطة بين ما كانت عليه البشرية في العصور السابقة وما آلت إليه الآن على مستوى الدين . إذ نجد من خلال مطالعة تأريخ الأديان والمذاهب أنّ تفاعل الانسان مع الدين والبعد الغيبي المعنوي عموما يتضاءل كلما انجرف الانسان بعيدا عن خط الاعتدال وطغى الجانب المادي على حياته . على هذا الأساس نسجّل ان ما يصدر من شكوك وأسئلة حول الدين وما يساق من اعتراضات على البعد المعنوي ، تنبع جميعها من هيمنة الروح المادية على الانسان . فطغيان المادة هو الذي يبعث في الانسان روح الشك في الدين واحكامه وممارساته . والّا فان بمقدور المتتبع المنصف ان يكتشف سريعا انّ الشبهات التي تثار اليوم والأسئلة التي تتداولها الألسن عن موقع الدين ودوره ليست جديدة بتاتا ، وهي بالتالي ليست - كما يقال - نتاجا لعصر العلم ، وانما هي في واقعها إعادة انتاج لشبهات العصور الماضية . فعصر العلم لا يختص بمثل هذه الشكوك والأسئلة التي سبق وان اجتاحت البشرية في العصور السابقة ، بحيث كانت تهدأ وتتضاءل حين تجد أجوبتها الشافية . انّ الذي لا يهدأ ليس الشك الديني في الانسان وانما الروح المادية التي تظهر إلى السطح بأبسط المؤثرات خصوصا وهي تجد ما يعينها في مظاهر الطبيعة الفاتنة وايحاءات غرائز الانسان وعواطفه وميل الانسان إليها متنكبا ما يرشد إليه العقل السليم . فحينما يمتلئ شعور الانسان وادراكه بهذه المظاهر والنوازع يبدأ بالانسياق نحو المادة مبتعدا عن العقل ، فتجري على لسانه حينئذ كلمات ذم المعنويات التي ينظر إليها كعقبة في طريقه ( المادي ) .