مصيرهما سوى الهلاك والتحوّل إلى كتلة من الجماد . لذا لا يملك أي مخلوق سوى الانقياد إلى زمام العلل والأسباب التي تنسجم مع وجوده ونظام خلقه وطي المسار المعيّن له تكوينا . والانسان وان كان حرا نظرا للإرادة والشعور اللذين يملكهما ، الّا ان حريته هذه تكون امام أبناء نوعه الذين لهم نظير شعوره وارادته ، ولا يستطيع ابدا ان يمدّ حريته بحيث تشمل الأسباب والعلل التي أوجدته أو تلك التي لها اثر في أعماله .
وإذا قدّر له أحيانا ان يفرّ من تأثيرات بعض الأسباب ، كأن يهرب من حرّ الشمس إلى الظل أو يحتمي من المطر بالسقوف ، فهو في الحقيقة يهرب من سبب ليلجأ إلى سبب آخر .
يعيّن على الانسان إذا من منطلق ما يتحلى به من واقعية - موهوبة إليه إلهيا - أن لا يرى نفسه مستقلا وان يسلك دائما الطريق الذي هيّأه له نظام الخلق ، ويسير وفق النهج الذي حدّده جهاز الخلق ومحيط الوجود بما ينطوي عليه من وظائف وأعمال .
وطالما كان الانسان مثل سواه من مخلوقات هذا العالم ونظمه غير مستقل ، مفتقرا في وجوده إلى خالق الكون ( جل وعلا ) فعليه ان يرى نفسه عبدا للخالق .
وفي الوقت نفسه نعرف انّ اتباع الانسان لما يريده اللّه منه ، بحيث يكون مظهرا لإرادة الخالق المتعال يتساوى مع اتباعه لما يهديه إليه نظام الوجود . بمعنى انّ ما يريده اللّه من تشريع ونظم ( الدين ) هو نفسه ما تريده الفطرة ويهدي إليه نظام الوجود .
يتضح من فقرات البحث انّ المناهج التي تتقوم على أساس إرادة الفرد الواحد
مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي — صفحة 131
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص١٣١