ومعنى ان يكون الدين فطريا ان لا يكون تبعا لهوى النفس ، أي لا يكون الامر على منوال الأمثلة التالية : انّ الانسان يتناول الغذاء والشراب لأنه مجهز بالجهاز الهضمي ، ويتزوج لانّه مزوّد بالجهاز التناسلي ، ويرتدي الملابس لان جسمه عار من الريش الذي ينمو على أجسام الحيوانات ، ويحافظ على بقائه ووجوده لانّه مزوّد حتى أخمص قدميه بأدوات الدفاع .
الانسان لا يفعل كل ذلك بذريعة هذه الدوافع ، بدليل انّه لا يملك حرية ترك الغذاء والشراب والنكاح ، وليس له أيضا ان ينتحر ويرمي بنفسه إلى التهلكة .
ولهذا السبب أيضا نجد انّ الاسلام أمر حتّى بضروريات الحياة من مثل الطعام والشراب واللباس ونظائرها . ولتوضيح الفكرة بصيغة أخرى نرى انّ الانسان يتوسّل في كل الاعمال التي يزاولها بما يناسبها من أسباب ووسائل ، فهو يمارس رؤية الأشياء عبر النور الخارج من عينيه ، ويسمع الأصوات عبر الأذن ، ويستفيد من اليد في التقاط ما يريد ، وبذلك لا ينتظر ان تنجز الاعمال هكذا من خلال الصدفة .
والانسان يسعى أيضا لمعرفة سر وجود كل ظاهرة من الظواهر ، دون ان يفصل بينها ، لانّه يدرك أن ثمة علائق بين الظواهر ، وانّ الهيئة الكونية ( إرادة خالق الوجود ) أوجدت لكل مخلوق نمطا من نظام العلة والمعلول بحيث يتحرك في محيط يعيّن له نهجه الحياتي ويكشف له عن المسار الذي يجب ان يتبعه . وما يدركه الانسان كذلك ، انّ أي مخلوق يبتعد عن مساره التكويني أو يتركه انما يكون قد ضحّى بسعادته وعرّض نفسه للفناء . فإذا قدّر لنا ان نتصور شجرة تمتنع عن تناول الغذاء أو حيوانا يمتنع عن التنفس فلا يمكن ان ننتظر أن يكون
مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي — صفحة 130
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص١٣٠