وجنوبهم وظهورهم . . . . وما أعرف إسرافا يشبه هذا الاسراف . فما كان أبو ذر في حاجة إلى طارئ محدث في الاسلام ليعلمه أن للفقراء على الأغنياء حقوقا ، وأن اللّه يبشر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل اللّه بعذاب أليم . . . لم يكن أبو ذر بحاجة إلى هذا الطارئ ليعلمه هذه الحقائق الأولية من حقائق الاسلام ؛ وأبو ذر سبق الأنصار جميعا وسبق كثيرا جدا من المهاجرين والأنصار إلى الاسلام ، وهو قد صحب النبي فأطال صحبته ، وحفظ القرآن فأحسن حفظه ، وروى السنة فأتقن روايتها .
فالذين يزعمون أن ابن سبأ قد اتصل بأبي ذر فألقى إليه بعض مقاله ، يظلمون أنفسهم ويظلمون أبا ذر .
والرواة يقولون : ان أبا ذر قال ذات يوم لعثمان بعد رجوعه من الشام إلى المدينة : لا ينبغي لمن أدّى الزكاة أن يكتفي بذلك حتى يعطي السائل ويطعم الجائع وينفق من ماله في سبيل اللّه . وكان كعب الأحبار حاضر هذا الحديث ، فقال : من أدى الفريضة فحسبه . فغضب أبو ذر ، وقال لكعب : يا ابن اليهودية ! ما أنت وهذا ؟
أتعلّمنا ديننا ! ثم وجأه بمحجنه . فأبو ذر ينكر على كعب الأحبار ان يعلمه دينه ، بل إن يدخل في أمور المسلمين حتى بإبداء الرأي ، مع أن كعب الأحبار مسلما أبعد عهدا بالاسلام من ابن سبأ ، وكان مجاورا في المدينة يصبح ويمسي بين أصحاب النبي ، وكان معاشرا لعمر وعثمان ، ثم لا يتحرج من أن يتلقى من عبد اللّه بن سبأ أصلا من أصول الاسلام وحكما من أحكام القرآن ! فاعجب لرجل من أصحاب النبي ينكر على كعب أن يجادل في الدين ، ثم يتلقى الدين نفسه عن عبد اللّه بن سبأ !
الشيعة ' نص الحوار مع المستشرق كوربان '" " — صفحة 273
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٢٧٣