لا نقصد من هذا الكلام المبادرة لاثبات عقيدة من عقائد الشيعة الاثنا عشرية ، أو أن نلزم من يختلف مع الشيعة بقبول هذا الاعتقاد المذهبي . وانما قصدنا ان نبيّن انّ الأثر الذي تحصل عليه الشيعة من تصورها للامام الغائب والاعتقاد بوجوده ، وما تجنيه من فائدة معنوية ، لم يبدأ بعد قرنين ونصف من هجرة نبي الاسلام ( صلى اللّه عليه وآله وسلّم ) وانما كان لذلك مسار آخر .
فرسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله وسلّم ) بصريح بيانه وإخباره القطعي عن المهدي الموعود قبل ولادته ، أوجد في نفوس عموم المسلمين تلك الحالة المعنوية التي يمكن ان تتجلى في باطن الانسان المسلم الواقعي ، من افراد المسلمين ، نتيجة اعتقاده بالمهدي ، ووضع ذخيرة يمكن الاستفادة منها في طيّ المسير المعنوي .
وبعبارة أخرى ؛ كان المنهج الذي وضعه الاسلام لأتباعه من اجل بلوغ السعادة الواقعية للبشر وتأمينها - يعني المنهج الذي يمزج بين الاعتقاد والعمل - هو على النحو الذي لا يمكن ان تظهر فيه الآثار الواقعية كاملة بدون الاعتقاد بظهور المهدي .
فتصوّر ظهور المهدي هو في رديف تصوّر وقوع القيامة . فكما انّ الاعتقاد بجزاء الاعمال هو بمثابة الصّمام الداخلي الذي يدفع لكل أمر حسن وينهى عن كلّ امر سيّئ ، فكذلك الاعتقاد بظهور المهدي هو صمّام آخر وضع لأجل الحفاظ على الحياة الداخلية لأتباع الاسلام الواقعيين .
أما توضيح ذلك : عندما نلقي نظرة كلية على عالم الخلق ( عالم التكوين والوجود ) نجد انّ كل نوع من أنواع المخلوقات يتّجه - منذ اوّل لحظات وجوده - نحو المقصد الأخير الذي يشكل هدفه النوعي ويحقق كماله ؛ وهو إلى ذلك مزوّد
الشيعة ' نص الحوار مع المستشرق كوربان '" " — صفحة 130
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص١٣٠