ويبقى الكلام حينئذ في بعض الأعمال المضمونة التي لا يرجع نفعها إلى
الضامن ولم يقع بأمره كالسبق في المسابقة الفاسدة ، حيث حكم الشيخ والمحقق
وغيرهما بعدم استحقاق السابق أجرة المثل ، خلافا لآخرين ووجهه أن عمل
العامل لم يعد نفعه إلى الآخر ولم يقع بأمره أيضا ، فاحترام الأموال التي منه
الأعمال لا يقضي بضمان الشخص له ووجوب عوضه عليه لأنه ليس كالمستوفي
له ، ولذا كانت شرعيته على خلاف القاعدة حيث إنه بذل مال في مقابل عمل لا
ينفع الباذل وتمام الكلام في بابه .
ثم إنه لا فرق فيما ذكرنا من الضمان في الفاسد بين جهل الدافع بالفساد
وبين علمه مع جهل القابض { 1 } وتوهم أن الدافع في هذه الصورة هو الذي سلطه
عليه والمفروض أن القابض جاهل مدفوع ، باطلاق النص والفتوى ، وليس الجاهل
مغرورا لأنه أقدم على الضمان قاصدا وتسليط الدافع العالم لا يجعلها أمانة مالكية
لأنه دفعه على أنه ملك المدفوع إليه لا أنه أمانة عنده أو عارية . ولذا لا يجوز له
التصرف فيه والانتفاع به وسيأتي تتمة ذلك في مسألة بيع الغاصب مع علم
المشتري هذا كله في أصل الكلية المذكورة .
شرح
ولا يدل على تدارك الضرر المتحقق من غير جهة الحكم الشرعي ، فلو تضرر أحد في
تجارته مثلا لا يجب على المسلمين تدارك ضرره ، وهذا من الوضوح بمكان .
وفي المقام إذا حكم الشارع بالضمان فهو إنما يكون من جهة لزوم تدارك الضرر
المفروض وجوده بالتلف لا من جهة نفي الضرر ، فالحديث لا يثبت ذلك .
مع أن الحديث لو كان مثبتا للزوم التدارك لما كان وجه للالتزام بلزوم التدارك على
من هو طرف العقد مع عدم انتفاعه به ولا اتلافه ، فليكن سد ضرره من بيت المال
المسلمين .
فالأظهر أن قاعدة نفي الضرر أيضا لا تفي باثبات المطلب . فالعمدة حديث اليد ،
وهو إنما يختص بالأعيان والمنافع ، ولا يشمل مثل عمل الحر كما لا يخفى .
{ 1 } قوله لا فرق فيما ذكرنا من الضمان في الفاسد بين جهل الدافع بالفساد وبين
علمه مع جهل القابض .
الصور المتصورة أربع : علمهما بالفساد ، وجهلهما به ، وعلم الدافع مع جهل
القابض ، والعكس .