والتحقيق أن القبول أما أن يكون بلفظ قبلت ورضيت . وأما أن يكون
بطريق الأمر والاستيجاب نحو بعني ، فيقول المخاطب : بعتك . وأما أن يكون بلفظ
اشتريت وملكت مخففا وابتعت ، فإن كان بلفظ قبلت . فالظاهر عدم جواز تقديمه
وفاقا لما عرفت في صدر المسألة ، بل المحكي عن الميسية والمسالك ومجمع
الفائدة أنه لا خلاف في عدم جواز تقديم لفظ قبلت ، وهو المحكي عن نهاية
الأحكام وكشف اللثام في باب النكاح وقد اعترف به غير واحد من متأخري
المتأخرين أيضا ، بل المحكي هناك عن ظاهر التذكرة الاجماع عليه { 1 } ويدل
عليه مضافا إلى ما ذكروا إلى كونه خلاف المتعارف من العقد : إن القبول الذي هو
أحد ركني عقد المعاوضة فرع الايجاب ، فلا يعقل تقدمه عليه . { 2 }
وليس المراد من هذا القبول الذي هو ركن للعقد ، مجرد الرضا بالايجاب
حتى يقال إن الرضا بشئ لا يستلزم تحققه قبله ، فقد يرضى الانسان بالأمر
المستقبل . بل المراد منه الرضا بالايجاب على وجه يتضمن انشاء نقل ماله في
الحال إلى الموجب على وجه العوضية لأن المشتري ناقل كالبايع ، وهذا لا يتحقق
إلا مع تأخر الرضا عن الايجاب ، إذ مع تقدمه لا يتحقق النقل في الحال فإن من
رضي بمعاوضة ينشئها الموجب في المستقبل ، لم ينقل في الحال ماله إلى الموجب
بخلاف من رضي بالمعاوضة التي أنشأها الموجب سابقا ، فإنه يرفع بهذا الرضا يده
من ماله وينقله إلى غيره على وجه العوضية . ومن هنا يتضح
شرح
وملخص القول في المقام أن القبول تارة : يكون بلفظ قبلت ورضيت ، وأخرى :
يكون بلفظ الأمر ، وثالثة : يكون بلفظ اشتريت وما شابهه .
فإن كان بلفظ قبلت ورضيت فقد استدل لعدم جواز تقديمه على الايجاب
بوجوه :
{ 1 } الأول : الاجماع ، وهو كما ترى .
{ 2 } الثاني ما في المتن وحاصله : إن القبول بالمعاوضات إنما يتضمن لأمرين :
أحدهما : الرضا بالايجاب . الثاني : نقل ماله من حين القبول . وهذان الأمران متحققان في
القبول المتأخر بأي لفظ كان ، فإنه لا حالة منتظرة للنقل سوى لحوقه ، وكذلك حاصلان مع
القبول المتقدم إذا كان بلفظ اشتريت ، فإنه انشاء لنقل ماله الذي هو العوض .