نعم قد استدل على المطلب بعض الأساطين في شرحه على القواعد بوجوه
أقواها ، أن التنافي بين صفة الوجوب والتملك ذاتي لأن المملوك والمستحق لا يملك
ولا يستحق ثانيا توضيحه أن الذي يقابل المال لا بد أن يكون كنفس المال مما
يملكه المؤجر حتى يملكه المستأجر في مقابل تمليكه المال إياه ، فإذا فرض العمل
واجبا لله ليس للمكلف تركه فيصير نظير العمل المملوك للغير { 1 } ، ألا ترى أنه إذا
آجر نفسه لدفن الميت لشخص لم يجز أن يؤجر نفسه ثانيا من شخص آخر لذلك
العمل وليس إلا لأن الفعل صار مستحقا للأول ومملوكا له ، فلا معنى لتمليكه ثانيا
للآخر مع فرض بقائه على ملك الأول . وهذا المعنى موجود فيما أوجبه الله تعالى
خصوصا فيما يرجع إلى حقوق الغير حيث إن حاصل الايجاب هنا جعل الغير
مستحقا لذلك العمل من هذا العامل كأحكام تجهيز الميت التي جعل الشارع الميت
مستحقا لها على الحي فلا يستحقها غيره ثانيا ، هذا ولكن الانصاف أن هذا
شرح
{ 1 } هذا هو الوجه الثاني وحاصله أن عمل الحر وإن كان مالا في نفسه لكنه إذا
وجب سقط احترامه ، لأن الوجوب عليه رافع لاختياره وتسلطه على الترك ، فهو مقهور
على ايجاده ، ويستوفي العمل منه من دون دخل لرضاه وإذنه المقومين لاحترام المال في
ذلك .
واستشهد لذلك : بأنه لو فرض أن المولى أمر بعض عبيده بعمل ، وكان يرجع نفعه
إلى غيره ، فأخذ العبد العوض من ذلك الغير على ذلك العمل عد أكلا للمال مجانا وبلا
عوض .
وفيه : أنه إن كان المدعي أن الوجوب الشرعي يوجب سلب المالية عن العمل ،
فيرد عليه : إن الوجوب إنما يوجب سلب الاحترام ، بمعنى أنه لا يجوز التصرف فيه لأحد
إلا مع إذنه ورضاه ، وله السلطان عليه ، وليس لأحد مزاحمته ، ولا يوجب سلب
الاحترام من حيث ماليته المقتضية أن لا يذهب هدرا وبلا تدارك ، ونظير المقام ترخيص
الشارع المارة في الأكل من الثمرة وترخيص الأكل من بيوت الأقارب ، فإن هذا الترخيص