ومما يدل على سلب الكذب عن التورية ما روى في الإحتجاج . أنه سئل
الصادق عليه السلام عن قول الله عز وجل في قصة إبراهيم ( على نبينا وآله وعليه السلام ) : بل
فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون قال : ما فعله كبيرهم وما كذب
إبراهيم ، قيل : وكيف ذلك ، فقال : إنما قال إبراهيم : إن كانوا ينطقون أي إن نطقوا
فكبيرهم فعل وإن لم ينطقوا ، فلم يفعل كبيرهم شيئا ، فما نطقوا وما كذب إبراهيم ،
وسئل عن قوله تعالى : أيتها العير إنكم لسارقون قال : إنهم سرقوا يوسف من
أبيه ألا ترى أنهم قالوا نفقد صواع الملك ولم يقولوا سرقتم صواع الملك ، وسئل
عن قول الله عز وجل حكاية عن إبراهيم عليه السلام إني سقيم ، قال : ما كان إبراهيم سقيما
وما كذب إنما عنى سقيما في دينه أي مرتادا { 1 } .
شرح
ثم إنه يعتبر في صدق التورية أمران آخران غير ما مر :
أحدهما : أن يكون اللفظ بحسب المتفاهم العرفي العادي ظاهرا في غير ما أراده
المتكلم ، فلو كان ظاهرا فيه ولكن المخاطب لقصور فهمه لم يلتفت إليه ، لم يكن ذلك من
التورية .
ثانيهما : أن تكون إرادة ذلك المعنى من ذلك اللفظ صحيحة ، بأن كان بينهما علاقة ،
فلو كان استعماله فيه غير صحيح لما كان من التورية ، مثلا لو قال : أعطيت زيدا خمسين
درهما ، وهو أراد به درهما واحدا ، وقد أعطاه في الواقع درهما ، كان ذلك من الكذب لا
من التورية ، ولعله إلى هذا أشار العلامة في محكي القواعد في مسألة الوديعة إذا طالبها ظالم
حيث قال : ويجب التورية على العارف بها ، كما أنه إليه نظر المفيد حيث قال في هذه المسألة
وإن لم يحسن التورية وكان نيته حفظ الأمانة . . . الخ .
وقد استدل لخروج التورية عن الكذب بروايات :
{ 1 } الأولى : رواية الإحتجاج المذكورة في المتن ( 1 ) .
فإنها تدل على أن الأقوال المذكورة إنما هي من التورية وليست من الكذب .
هامش
1 ) احتجاج الطبرسي ، ص 194 ، من طبعة النجف ، عام 1350 ه