ثم إن الاستدلال المذكور إنما يحسن مع علم البائع بأنه لو لم يبعه لم يحصل
المعصية لأنه حينئذ قادر على الردع ، أما لو لم يعلم ذلك أو علم بأنه يحصل منه
المعصية بفعل الغير فلا يتحقق الارتداع بترك البيع ، كمن يعلم عدم الانتهاء بنهيه عن
المنكر { 1 } .
شرح
وكيفية الاستدلال به : إن الظاهر منه كون وجه حرمة الجباية وحضور الجماعة :
أنهما يوجبان سلب الحق الذي هو محرم ، فبعد إلغاء الخصوصية يكون المستفاد منه حرمة
كل ما يوجب تركه عدم تحقق المعصية من الغير .
وفيه : إنه لا وجه لالغاء الخصوصية ، مع احتمال أن يكون لسلب الخلافة الذي هو
من أعظم المحرمات لكونه المنشأ والأساس لصدور سائر المنكرات خصوصية .
أضف إلى ذلك كله : إنه لو سلم كون دفع المنكر كرفعه واجبا وأغمض عن
سائر الايرادات وسلمنا ثبوت حرمة بيع الشئ ممن يعلم أنه يصرفه في الحرام ، كبيع العنب
ممن يعلم أنه سيجعله خمرا ، لكنه لا يدل ذلك على الحرمة مطلقا ، وإن يقصد ذلك حين
الشراء ، لأن الأدلة مختصة بما إذا هم بالمعصية وأشرف عليها ، ولا تشمل ما إذا كان سيهم
بالمعصية وذلك .
فإن أدلة النهي عن المنكر النقلية قد عرفت اختصاصها بمن شرع في الحرام ، وغاية
ما يمكن أن يقال هو التعدي عن موردها إلى من همه الشروع فيه ، فلا وجه للتعدي إلى من
سيهم بالشروع فيه .
وأما دليل العقل : وإن أثبتنا في هذا الشرح تبعا للشيخ والعلامة والشهيدين
وغيرهم من الأساطين أنه يدل على وجوب رفع المنكر ودفعه إلا أن المتيقن منه صورة
الاشراف على الحرام .
وأما الخبر : فلأن قصد بني أمية سلب حق أولياء الله معلوم ، مع احتمال الاختصاص
بمورده كما عرفت .
{ 1 } وملخص القول في المقام : إنه تارة نلتزم بأن الواجب إنما هو دفع كل فرد من
أفرد المنكر بحيث يتعد الوجوب بتعدد أفراد المنكر ، وأخرى نلتزم بأن الواجب هو دفع
طبيعة المنكر ، بمعنى أن الواجب هو حفظ وعاء الخارج من المنكر .