منهم ! !
ثم إن إلزام المسلمين وإجبارهم على أي شئ يجب أن يكون مستندا إلى
نص من القرآن الحكيم أو حديث النبي الكريم ( صلى الله عليه وآله ) ، وأنتم تجبرون المسلمين
وتلزمونهم على أخذ أحكام دينهم من أحد الأئمة الأربعة من غير استناد إلى الله
ورسوله ، فعملكم هذا لا يكون إلا تحكما .
من الذي حصر المذاهب في أربعة ( 1 )
لقد سبق زعمكم أن التشيع مذهب سياسي ( 2 )
هامش
( 1 ) لا يخفى على من تأمل في نشأة المذاهب الإسلامية أنها كانت كثيرة جدا ، ولم تكن
محدودة بمذهب دون آخر ، إلا أنها انقرضت ولم يبق منها إلا أربعة فقط ، وهذا لا يعني -
كما عند بعضهم - أنها أفضل المذاهب وأجودها ، إذ أن هناك من علماء السلف أفضل بكثير
من أصحاب هذه المذاهب الأربعة ، إلا أنهم لم يقدر لهم البقاء ، ولم تحالفهم الظروف كما
حالفت هؤلاء الأربعة ، والتي قضت باقتصار الفتيا واستنباط الأحكام الشرعية عليهم فقط لا
على غيرهم ، فذاع صيتهم في الأقطار واشتهرت مذاهبهم في الأمصار ، حتى ألفها الناس
فربى عليها الصغير وشاب عليها الكبير ، ودرج الناس على ذلك في كل عهد حتى اعتبروا
الخروج عنها أمرا غير مستساغ ، مع أن هذا الشئ لم يحكم به حتى فقهاء المذاهب
أنفسهم ، فقد قال مالك بن أنس : إنما أنا بشر أصيب وأخطئ ، فاعرضوا قولي على الكتاب
والسنة وقال أبو حنيفة : هذا رأيي ، وهذا أحسن ما رأيت فمن جاء برأي غير هذا قبلناه ،
حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي . وقال الشافعي : إذا صح الحديث بخلاف
قولي فاضربوا بقولي الحائط ، وقال أحمد بن حنبل : من ضيق على الرجال أن يقلدوا
الرجال ، لا تقلد دينك الرجال فإنهم لن يسلموا من أن يغلطوا ، وقيل له : لم لا تضع
لأصحابك كتابا في الفقه ؟ قال : ألأحد كلام مع الله ورسوله ؟ وقال محي الدين بن العربي :
لا يجوز ترك آية أو خبر صحيح لقول صاحب أو إمام ومن يفعل ذلك فقد ضل ضلالا مبينا
وخرج عن دين الله .
وبعد هذا كله تعرف أنهم لم يقسروا أحدا على تقليد مذهب معين أو عالم بعينه بدون النظر
إلى الكتاب والسنة حتى جاء الخلفاء والولاة فلم يسمعوا لأحد مهما بلغ أمره ودرجته في
العلم أن يتخطى أو يتجاوز هذا المربع الذي قضي أن يكون كتابا مفروضا ، يقول أحمد أمين
المصري : كان للحكومات دخل كبير في نصرة مذهب أهل السنة ، والحكومات عادة إذا
كانت قوية ، وأيدت مذهبا من المذاهب تبعه الناس بالتقليد ، وظل سندا إلى أن تدول
الدولة . ( ظهر الإسلام : ج 4 ص 96 ) .
وقال الشعراني : لم يبلغنا أن أحدا من السلف أمر أحدا أن يتقيد بمذهب معين ، ولو وقع ذلك
منهم لوقعوا في الإثم ، لتفويتهم العمل بكل حديث لم يأخذ به ذلك المجتهد الذي أمر الخلق
باتباعه وحده ، والشريعة حقيقة إنما هي مجموع ما بأيدي المجتهدين كلهم لا بيد مجتهد
واحد ، ومن أين جاء الوجوب والأئمة كلهم قد تبرأوا من الأمر باتباعهم ، وقالوا : إذا بلغكم
حديث فاعملوا به واضربوا بكلامنا الحائط .
أقول : وأين هؤلاء من الذين نص القرآن على عصمتهم ، وجعلهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) عدل الكتاب ،
وقال عنهم : أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجى ومن تخلف عنها غرق وهوى ،
وقال ( صلى الله عليه وآله ) : النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف ، فإذا
خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس ( انظر الصواعق المحرقة : ص 152 ) .
وقال عنهم أيضا ( صلى الله عليه وآله ) : إني تارك فيكم أمرين لن تضلوا إن تبعتموهما وهما كتاب الله وأهل
بيتي عترتي - وزاد الطبراني - إني سألت ذلك لهما فلا تقدموهما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما
فتهلكوا ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم ( انظر الصواعق : ص 150 ، والمعجم الكبير
للطبراني : ج 5 ص 186 ح 4971 ط الدار العربية بغداد ) فبعد هذه النصوص وغيرها الكثير
هل ترى مسوغا لترك مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) الذي رسمه النبي ( صلى الله عليه وآله ) وتقديم غيرهم عليهم ،
وعدم الاعتبار حتى لرواياتهم وأحاديثهم وما عليك فقط إلا الرجوع إلى كتب الصحاح
لتعرف مدى حرمان هذه الأمة من الاستفادة ممن نزل الكتاب في بيوتهم وحوته صدورهم ،
ولذا أخذنا معالم ديننا من آل محمد ( صلى الله عليه وآله ) الذين أوجب حقهم على الأمة ، وفرض مودتهم
عليها ، وأردفهم بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) حتى في الصلاة عليه في الصلاة المفترضة ، وإلا كانت باطلة
لو تعمد أحد إغفالهم ، فهل يا ترى لمن يتركهم حجة يوم القيامة ؟ ! ومن أراد التوسع في
معرفة أسباب نشأة المذاهب وشيوعها فليراجع :
1 - كتاب الإمام الصادق ( عليه السلام ) والمذاهب الأربعة للشيخ أسد حيدر : ج 1 ص 149 الخ .
2 - بحوث مع أهل السنة والسلفية للسيد مهدي الروحاني : ص 207 - 209 .