المناظرة السابعة والعشرون
مناظرة
شيخ من أهل البصرة مع يحيى بن أكثم ( 1 )
في حكم المتعة
قال يحيى بن أكثم لشيخ البصرة : بمن اقتديت في جواز المتعة ؟
فقال : بعمر بن الخطاب .
فقال له : كيف وعمر كان أشد الناس فيها ! ؟
قال : لأن الخبر الصحيح أنه صعد إلى المنبر ، فقال : إن الله ورسوله ( صلى الله عليه وآله ) قد
أحلا لكما متعتين ، وإني محرمهما عليكم أو أعاقب عليهما ( 2 ) ، فقبلنا شهادته ( 3 )
هامش
( 1 ) هو : أبو محمد يحيى بن أكثم بن محمد بن قطن بن سمعان التميمي الأسيدي المروزي ، من ولد
أكثم بن صيفي حكيم العرب ، ولد في مرو سنة 159 ه ، ذكر من أصحاب الشافعي ، له عدة
تصانيف ، ولاه المأمون قضاء البصرة سنة 202 ه ، ثم قضاء القضاة ببغداد ، وأضاف إليه تدبير
مملكته ، ولما مات المأمون وولي المعتصم عزله عن القضاء ، فلزم بيته ولما آل الأمر إلى المتوكل
رده إلى عمله ، ثم عزله سنة 240 ه ، وأخذ أمواله ، ثم ارتحل إلى مكة ، توفي في الربذة سنة 242
ه . راجع ترجمته في : وفيات الأعيان لابن خلكان : ج 6 ص 147 ترجمة رقم : 147 ، تاريخ
بغداد للخطيب : ج 14 ص 191 ترجمة رقم : 7489 ، الأعلام للزركلي : ج 9 ص 167 ، سفينة
البحار للقمي : ج 1 ص 367 .
( 2 ) تقدمت تخريجاته .
( 3 ) إذ مما لا شك فيه إن حلال الله ورسوله حلال إلى يوم القيامة وحرامهما حرام إلى يوم القيامة ،
فعلى أي أساس يترك تشريع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لها الذي هو بأمر الله تعالى وقد قال في حق نبيه
الكريم : * ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) * ويؤخذ بقول غيره ، فيكون حينئذ
اجتهاد في مقابل النص ولذا أنكر بعض الصحابة على تحريم الخليفة للمتعة ، ولم يسوغوا الأخذ
بقوله في قبال قول النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، إذ أن في ذلك نقضا لما سنه النبي وشرعه من الأحكام الشرعية ،
فهذا عبد الله بن عمر يسأله رجل من أهل الشام عن التمتع بالعمرة إلى الحج فقال له : هي حلال ،
فقال : إن أباك قد نهى عنها ، فقال له ابن عمر : أرأيت إن كان أبي نهى عما وضعها رسول الله ( صلى الله عليه وآله )
أأمر أبي نتبع أم أمر رسول الله ، فقال الرجل : بل أمر رسول الله ( الجامع الصحيح للترمذي : ج 3
ص 185 ح 824 ) وكذلك ابن عباس لما قال بحلية المتعة ، اعترض عليه جبير بن مطعم وقال له
: كان عمر ينهى عنها ، فقال له ابن عباس : يا عدي نفسه ، من ها هنا ضللتم ، أحدثكم عن رسول
الله ( صلى الله عليه وآله ) وتحدثني عن عمر . ( شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 20 ص 25 ) وروى
الخطيب البغدادي في تاريخه : ج 14 ص 199 بسنده عن أبي العيناء ، قال : كنا مع المأمون في
طريق الشام ، فأمر فنودي بتحليل المتعة ، فقال لنا يحيى بن أكثم : بكرا غدا إليه فإن رأيتما
للقول وجها فقولا ، وإلا فاسكتا إلى أن أدخل ! قال : فدخلنا إليه وهو يستاك ، ويقول - وهو
مغتاظ - : متعتان كانتا على عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وعلى عهد أبي بكر ، وأنا أنهى ، ومن أنت . . . .
حتى تنهى عما فعله النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأبو بكر ، فأومأت إلى محمد بن منصور ، أن أمسك . . . الخ .
وأما دعوى النسخ فغير صحيحة وذلك لعدة أمور ، أولا : قول عمر : متعتان كانتا على عهد رسول
الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ظاهر في حليتها في عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ولم تحرم إلى أن مات ، ثانيا : لو كانت
منسوخة لما نسب لنفسه التحريم ، إذ لا أثر لتحريمه بعد ما كانت حراما على سبيل الفرض ، ثالثا
: عمل بعض الصحابة بها وتصريحهم بحليتها ، فلو كانت منسوخة لما خفيت عليهم خصوصا
أمثال ابن عباس حبر الأمة ، وعبد الله بن عمر ابن الخليفة نفسه ، وغيرهما من الصحابة الذين
قالوا بحليتها ، بل هناك من شهد بعدم النسخ والحرمة ، فهذا عمران بن حصين قال : نزلت آية
المتعة في كتاب الله تبارك وتعالى ، وعملنا بها مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فلم تنزل آية نسخها ، ولم ينه
عنها النبي ( صلى الله عليه وآله ) حتى مات . ( مسند أحمد بن حنبل : ج 4 ص 436 ) صريح في أن دعوى النسخ
غير صحيحة البتة ، وأما ترك بعض الصحابة لها فلا يدل على حرمتها ، إذ أن مجرد الترك لا يدل
على الحرمة بل هو أعم .