لما اتبع هواه ، فانسلخ مما أوتي من الآيات وغوى ، قال سبحانه : * ( وأتل عليهم
نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ) * ( 1 ) ،
ولكان ينبغي أن يكون محل عبدة العجل من أصحاب موسى هذا المحل ، لأن
هؤلاء كلهم قد صحبوا رسولا جليلا من رسل الله سبحانه .
قال : ولو كانت الصحابة عند أنفسها بهذه المنزلة ، لعلمت ذلك من حال
أنفسها ، لأنهم أعرف بمحلهم من عوام أهل دهرنا ، وإذا قدرت أفعال بعضهم ببعض
دلتك على أن القصة كانت على خلاف ما قد سبق إلى قلوب الناس اليوم ، هذا علي
وعمار وأبو الهيثم بن التيهان ، وخزيمة بن ثابت ، وجميع من كان مع علي ( عليه السلام ) من
المهاجرين والأنصار ، لم يروا أن يتغافلوا عن طلحة والزبير وعائشة ومن كان
معهم وفي جانبهم ، لم يروا أن يمسكوا عن علي ( عليه السلام ) حتى قصدوا له كما يقصد
للمتغلبين في زماننا .
وهذا معاوية وعمرو لم يريا عليا بالعين التي يرى بها العامي صديقه أو
جاره ، ولم يقصرا دون ضرب وجهه بالسيف ولعنه ولعن أولاده وكل من كان حيا
من أهله ، وقتل أصحابه ، وقد لعنهما هو أيضا في الصلوات المفروضات ، ولعن
معهما أبا الأعور السلمي ، وأبا موسى الأشعري ، وكلاهما من الصحابة ، وهذا سعد
بن أبي وقاص ، ومحمد بن مسلمة ، وأسامة بن زيد ، وسعيد بن زيد بن عمرو بن
نفيل ، وعبد الله بن عمر ، وحسان بن ثابت ، وأنس بن مالك ، لم يروا أن يقلدوا عليا
( عليه السلام ) في حرب طلحة ، ولا طلحة في حرب علي ، وطلحة والزبير بإجماع المسلمين
أفضل من هؤلاء المعدودين ، لأنهم زعموا أنهم قد خافوا أن يكون علي قد غلط
وزل في حربهما ، وخافوا أن يكونا قد غلطا وزلا في حرب علي ( عليه السلام ) .
هامش
( 1 ) سورة الأعراف : الآية 175 .