فلان في الدنيا انغماسا : إذا كثر التباسه لها وعظم أخذه منها تشبيها
لها بغمرة الماء إذا خاضها الخائض أو غمس فيها الغامس ( 1 ) .
56 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " كل عين
زانية " ، وهذه استعارة ، لأنه عليه الصلاة والسلام لم يرد حقيقة
الزناء المذموم ، وإنما أراد أن كل عين لابد أن تكون لها طمحة إلى
حسن أو طرحة إلى أرب . وإن كان ذو التقوى يكبح نفسه
بالشكيم ، ويعرك ( 2 ) شهوته عرك الأديم ( 3 ) ، ولا يكون نظره إلا
فلتة ، ولا تتبع النظرة النظرة كما قال عليه الصلاة والسلام ، وقد
قال الشاعر :
نظرت إليها بالمحصب من منى * ولى نظر لولا التحرج عارم ( 4 )
فوصف النظر بالعرام ( 5 ) في هذا الشعر كوصف العين بالزنا في هذا
هامش
( 1 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث استعارة تبعية ، حيث شبه حدوث منافع الدنيا الكثيرة وخيراتها
للانسان بالماء الكثير الذي يصب عليه ، واشتق من الصب بمعنى الحدوث ،
صب بمعنى حدث أو أصاب على طريق التبعية . ومعلوم أن في الحديث مجازا
بالحذف ، لان التقدير إذا صبت عليكم خيرات الدنيا .
( 2 ) يعرك يفرك ويدلك ليجعلها هادئة غير شديدة .
( 3 ) الأديم : الجلد ، وإذا دلك الجلد صار ناعما وذهبت خشونته ، كما تذهب
خشونة الشهوة .
( 4 ) المحصب : موضع بمنى تجمع فيه الحصباء وترمى بها الجمار ، والتحرج :
خوف الوقوع في الحرج وهو الحرام والعارم : الشديد .
( 5 ) العرام : الحدة .