وهاتان الاستعارتان من أحسن الاستعارات ، لان الجوع أبدا إنما
كان يلحق العرب في اللاواء ( 1 ) والأزمات والسنين المجدبات ، وتلك
السنون تسمى غبرا لاغبرار آفاقها من قلة الأمطار ، وأراضيها من عدم
النبات والأعشاب ، ويقولون : هذه حجج ( 2 ) غبر إذا كانت
كذلك ، ألا ترى إلى قول الشاعر :
أغر يباري الريح في كل شتوة * إذا اغبر أقدام الرجال من المحل
وقيل عام الرمادة ( 3 ) لهذا المعنى على أحد القولين ، والقول الآخر :
أنه إنما سمى بذلك لهلاك الناس فيه مأخوذ من الرمد وهو الهلاك ،
قال الشاعر :
صببت عليهم حاصبي فتركتهم * كأضرام ( 4 ) عاد حين جللها الرمد
أي الهلاك .
والاستعارة الأخرى قوله عليه الصلاة والسلام : والموت الأحمر ،
وهذه طريقة للعرب في وصف اليوم العماس ( 5 ) ، واشتداد البأس
هامش
( 1 ) اللاواء : الشدة .
( 2 ) الحجج : السنين . ومن ذلك قوله تعالى " على أن تأجرني ثماني حجج " .
( 3 ) رمدت الغنم ترمد : من باب ضرب هلكت ببرد أو صقيع ومنه عام
الرمادة الذي هلك فيه الناس والأموال من الجدب وقلة الغذاء ، وكان ذلك في أيام
عمر بن الخطاب رضي الله عنه .
( 4 ) ضرم كفرح : اشتد جوعه ، والضرم بوزن كتف : الجائع ، فالاضرام
هنا جمع ضرم ، أي كجياع عاد .
( 5 ) العماس : المظلم الشديد .