بالروح هاهنا القرآن تشبيها له بالروح القائمة بالحيوان المصححة لانتفاع
الأبدان ، وهذا من التشبيه الواقع والتمثيل النافع ، لان انتفاع الناس
بالقرآن في رشاد السبيل ومصالح الدنيا والدين كانتفاع الأبدان بالأرواح
في تصريف حركاتها وترتيب إرادتها ، وتصحيح لذاتها وشهواتها .
وقد ذكرنا ذلك مشروحا في مواضع من كتابنا في علوم القرآن .
25 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " قد أناخت
بكم الشرف الجون " . يعنى الفتن المتوقعة . وهذا القول مجاز
لأنه عليه الصلاة والسلام شبه الفتن بالنوق المسنات ، لجلالة خطبها
واستفحال أمرها وجعلها جونا ، وهي السود ها هنا ( 1 ) ، لظلام منهجها
والتباس مخرجها . والشرف جمع شارف : وهي الناقة المسنة ، وهم
يشبهون الحرب بها ، قال الكميت الأسدي يصف حربا :
مبسورة شارفا مصرمة ( 2 ) * محلوبها الصاب ( 3 ) حين تحتلبه
يقال بسرت الناقة وابتسرت إذا حمل عليها الفحل . ولم تضبع ( 4 )
هامش
( 1 ) أشار بقوله هاهنا إلى أن الجون تطلق على البيض والسود ، ولكن المراد
بها هنا السود .
( 2 ) المصرمة : المقطعة وهي التي قطعت أثداؤها حتى لا ترضع فتضعف بالرضاع .
( 3 ) الصاب : شجر مر ، أي عصارة هذا الشجر المر إذا حلب .
( 4 ) ضبعت الناقة تضبع : من باب فرح إذا اشتهت الفحل ، فمعنى قول الشريف
إذا حمل عليها الفحل ولم تضبع : وهي غير طالبة له وحينئذ لا يكون للقاح فائدة لأنها
لا تحمل حينئذ ، والمراد أن هذه الحرب كالناقة التي يأتيها فحلها وهي غير راغبة في
إتيانه فتكون نافرة هائجة ، وهذه الحرب نافرة هائجة ، تصيب الناس بشرها من
غير رحمة ولا تبصر .