( أحدهما ) أن تكون أموال الصدقات لما كان إخراجها
مطهرا لما وراءها من سائر الأموال ، جرت مجرى المياه التي تغسل
بها الأدران ، وتزال بها الأنجاس في انتقال تلك الأدران إليها ،
وحصول تلك الأدناس والأنجاس فيها .
( والوجه الآخر ) أن يكون المراد أن أموال الصدقات في الأكثر
لا تكون إلا أسافل الأموال دون أخايرها ، ومفارقاتها ( 1 ) دون
كرامها . وذلك أمر عليه الصلاة والسلام في الصدقة بالأخذ من
حواشي ( 2 ) الأموال دون حرزاتها ، وهي خيارها ، وإنما نسب عليه
الصلاة والسلام تلك الأوساخ إلى الأيدي ، لان الأموال المعطاة في
الأكثر إنما تكون بها وتمر عليها ، وقد مضى الكلام على مثل
هذا المعنى فيما تقدم ( 3 ) .
هامش
( 1 ) ومفارقات : معطوف على أسافل ، أي ولا تكون إلا مفارقاتها دون
كرامها ، والمراد بالمفارقات التي يرضى أصحابها بمفارقتها لهم ويبذلونها عن طيب
خاطر ، لأنها غير عزيزة عليهم والكرام لا تهون عليهم .
( 2 ) حواشي الأموال : صغارها وأقلها قيمة كما سبق في حديث " خذ من
حواشي أموالهم " .
( 3 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث استعارة تصريحية ، حيث شبه مال الصدقة بالأوساخ ، بجامع أنها
تطهر غيرها كما أن الأوساخ إذا خرجت طهرت غيرها ، واستعمل لفظ المشبه به
في المشبه ، أو بجامع أنها نفايات الأموال ، كما أن الأوساخ نفايات الأجسام ، وفي
أيدي مجاز مرسل علاقته السببية ، حيث أراد بالأيدي الأموال ، لان المعنى أوساخ
أموال الناس ، ولما كانت الأموال تملك وتعطى باليد ، كات اليد سببا للأموال
المعطاة ، فاستعمل لفظ السبب في المسبب .