355 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام ، وقد مر على
قوم وقوف على ظهور دوابهم ورواحلهم ، يتنازعون الأحاديث ،
فقال عليه الصلاة والسلام : " لا تتخذوها كراسي لأحاديثكم
في الطرق والأسواق ، فرب مركوب خير من راكبه " ، وهذه
استعارة كأنه عليه الصلاة والسلام شبه الدواب والرواحل في حالة
إطالة الوقوف على ظهورها ، بالكراسي التي يجلس عليها ، لأنها تثبت
في مواضعها ولا تزول إلا بمزيل لها ، فنهى عليه الصلاة والسلام أن
يجعل الحيوان المتصرف بمنزلة الجماد الثابت ، والشئ النابت ( 1 ) .
356 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " إن الاسلام
بدأ جذعا ، ثم ثنيا ، ثم رباعيا ، ثم سديسا ، ثم بازلا ( 2 ) ،
وما بعد البزول إلا النقصان " . وهذا الكلام كله مستعار ، والمراد
هامش
( 1 ) الشئ النابت : الذي نبت في الأرض ، ونباته في الأرض يدل على ثبوته
فيها لان جذره مغروس فيها .
ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث تشبيه بليغ ، حيث شبه الدواب التي يجلس عليها أصحابها مدة طويلة
يتحدثون بالكراسي ، بجامع الجلوس عليها ، وحذف وجه الشبه والأداة .
( 2 ) الجذع : الذي أجذع مقدم أسنانه ، أي أسقطها لينبت غير ، ويكون
عمره خمس سنوات في هذه الحالة ، والثنى : هو الذي نبتت له ثنيتان من أسنانه
وتكون سنه حينئذ ست سنوات ، والرباعي : الذي نبتت له أربعة أسنان ويكون
عمره حينئذ سبع سنوات والسديس وعمره ثمان سنوات ، والبازل : الذي تخرج
أنيابه قوية ، ويكون عمره حينئذ تسع سنوات ، والبازل أقوى أنواع الجمال .
ويكون تام القوة ، كامل البنيان .