الامر بالانفاق ، إنما يراد به إخراج المال في الواجب . فأما تسمية
العرب من لا يقرى النازل ولا يعطى السائل بالبخيل ، فلأنهم
اعتقدوا وجوب ذلك عليه ، فوصفوه بالبخل لامتناعه منه وأساميهم
تتبع اعتقاداتهم ( 1 ) .
352 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : وقد سأله رجل
من جهينة متى يصلى العشاء الآخرة ( 2 ) فقال : " إذا ملا الليل
بطن كل واد " ، وهذا مجاز ، لان الليل على الحقيقة لا تملأ به
بطون الأودية ، كما تمتلئ بطون الأوعية ، وإنما المراد إذا شمل ظل
الليل البلاد ، وطبق النجاد والوهاد ، فصار كأنه سداد لكل
شعب وصمام لكل نقب ( 4 ) .
هامش
( 1 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث تشبيه ضمني ، حيث شبه البخل بالداء بجامع إفساد الطبيعة في كل ،
واستعمل لذلك الأسلوب الذي يدل على ثبوت وصف البخل بالداء وتخلفه في باب
الأمراض ، فاستفهم استفهاما إنكاريا عن أي داء أشد من البخل فقال " وأي داء
أدوى من البخل " أي لا داء أدوى من البخل .
( 2 ) العشاء الآخرة : هي صلاة العشاء ، وتسمى بالآخرة لان المغرب تسمى
عشاء أيضا إلا أنها عشاء أولى .
( 3 ) بطن الوادي مسيله ومنحدره ، وإذا عم الليل المنحدرات فقد تم إظلامه
وأسبغ إلياله .
( 4 ) ما في الحديث من البلاغة : في الحديث استعارة تبعية ، حيث شبه عموم
ظلام الليل للأودية بملء بطونها ، بجامع الحلول الشامل في كل ، واشتق من الملء
بمعنى العموم ، ملا بمعنى عم ، على طريق الاستعارة التبعية . وفيه أيضا استعارة
بالكناية ، حيث شبه الأودية بالحيوانات ، وحذفها ورمز إليها بشئ من لوازمها
وهو البطن ، وإثبات البطن إلى الأودية تخييل .