353 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام ، وقد طلعت
بين أصابعه حرة ( 1 ) فوضع يده عليها وقال : " اللهم مطفئ الكبير
ومكبر الصغير أطفئها عنى برحمتك " ، وهذه استعارة : كأنه
عليه الصلاة والسلام أقام الشفاء المطلوب من الله سبحانه مقام الاطفاء
لها ونضح الماء عليها . في أن ذلك يفنى وقودها ، ويسرع خمودها .
وهذا من التشبيهات الصادقة ، والتمثيلات الواقعة . وروى أنه عليه
الصلاة والسلام كان يقلق القلق الشديد لما يظهر في جسمه من الداء
اليسير ، فقيل له : في ذلك ، فقال : إن الله إذا أراد أن يعظم
صغيرا عظمه ( 2 ) .
354 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " من قعد في
مصلاه حين يصلى الصبح حتى يسيح ( 3 ) الضحا . في حديث
طويل " ، وهذه استعارة كأنه عليه الصلاة والسلام جعل الضحا ،
وهو شباب النهار وزيادته ، بمنزلة الماء السائح من الغدير : وفي السائح
هامش
( 1 ) الحرة : البثرة الصغيرة ، وهي مثل الدمل الصغير .
( 2 ) ما في الحديث من البلاغة :
في الحديث استعارة بالكناية ، حيث شبه البثرة بالنار في إيلامها لما تمسه من
الأجسام الحساسة ، وحذفها ورمز إليها بشئ من لوازمها وهو الاطفاء ، وإثبات
الاطفاء إلى النار تخييل . وفيه استعارة تبعية ، حيث شبه شفاء البثرة وإذهابها
بإطفاء النار ، بجامع إذهاب الأثر وإبعاد الألم في كل ، واشتق من الاطفاء بمعنى
الشفاء أطفئ بمعنى اشف على طريق الاستعارة التبعية .
( 3 ) يسيح الضحى : ينتشر وتعم شمسه الآفاق .